تتواصل الحرب في السودان للعام الرابع على التوالي وسط تصاعد التحذيرات الدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية وتزايد الاتهامات المتعلقة باستخدام أسلحة محظورة أو ذات قدرة تدميرية واسعة ضد مناطق مدنية، في وقت دخلت فيه حزمة العقوبات الأميركية الجديدة على السلطة القائمة في بورتسودان حيّز التنفيذ.
ودخلت العقوبات الأميركية، اعتباراً من 20 تموز/يوليو 2026، مرحلة التنفيذ بعد إعلان واشنطن توصلها إلى أن الجيش السوداني استخدم أسلحة كيميائية خلال عام 2024، وهو ما نفته السلطات السودانية مراراً.
وأكدت وزارة الخارجية الأميركية أن اللجنة التي شكّلها قائد الجيش عبد الفتاح البرهان للتحقيق في الاتهامات لا يمكن أن تحل محل آلية التحقق المستقلة التابعة لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية، داعية سلطات بورتسودان إلى التعاون الكامل مع المنظمة والسماح بإجراء عمليات تفتيش دولية، واتخاذ خطوات عملية للعودة إلى الامتثال لاتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية.
وتشمل العقوبات الأميركية معارضة واشنطن تقديم قروض أو مساعدات مالية وفنية لحكومة بورتسودان من قبل مؤسسات التمويل الدولية، باستثناء المساعدات الإنسانية، إلى جانب فرض قيود على تصدير معظم السلع والتقنيات الأميركية إلى السودان، وتشديد سياسات منح تراخيص التصدير وإعادة التصدير، فضلاً عن قيود تطال شركات الطيران الخاضعة لسيطرة الحكومة.
وكانت الولايات المتحدة قد جددت قبل أيام اتهامها للجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية، وذلك خلال كلمة ألقتها أمام الدورة الثانية عشرة بعد المئة للمجلس التنفيذي لمنظمة حظر الأسلحة الكيميائية في لاهاي، مطالبة السودان بتقديم إعلان شامل عن برنامجه الكيميائي، والسماح بعمليات تحقق وتفتيش دولية دون قيود، ولوّحت بإمكانية فقدان السودان أهليته للاستمرار في عضوية المجلس التنفيذي للمنظمة إذا استمر في عدم الامتثال لالتزاماته.
وتتزامن هذه العقوبات مع تجدد الاتهامات باستخدام أسلحة ذات أثر تدميري واسع في مناطق مدنية، الأمر الذي يزيد الضغوط الدولية على السلطة في بورتسودان ويعزز المطالب بإجراء تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني.
وفي هذا الإطار، اتهم تحالف السودان التأسيسي "تأسيس"، في بيان صدر بتاريخ 19 تموز/يوليو 2026، الجيش السوداني بشن غارات جوية استهدفت مدينة أم قرفة وعدداً من قرى ولاية شمال كردفان، من بينها الحريز الحماداب وود موسى والمرخة وأم تقيرات، مستخدماً، بحسب البيان، قنابل فراغية إيرانية الصنع وبراميل متفجرة ألقتها طائرات "أنتونوف".
وقال التحالف إن القصف أسفر في مدينة أم قرفة عن مقتل ثلاثة رعاة وامرأتين، إضافة إلى نفوق أعداد من الماشية نتيجة استهداف مصادر المياه، بينما أدى القصف على القرى الأخرى إلى مقتل سبعة مدنيين، بينهم طفلان، وإصابة ثمانية عشر آخرين بجروح متفاوتة.
وأضاف أن استهداف مصادر المياه والتجمعات المدنية واستخدام أسلحة ذات قدرة تدميرية واسعة في مناطق مأهولة بالسكان، ومن دون وجود أهداف عسكرية، يشكل، وفق وصفه، جريمة حرب تستوجب المساءلة الدولية.
وتُعد القنابل الفراغية من أكثر الأسلحة التقليدية تدميراً، إذ تعتمد على نشر سحابة من الوقود تشتعل بعد امتزاجها بالأكسجين، ما يؤدي إلى توليد موجة انفجار شديدة الحرارة والضغط تستمر مدة أطول مقارنة بالمتفجرات التقليدية. ويمكن لهذا النوع من الذخائر تدمير المخابئ والأنفاق والمنشآت المحصنة تحت الأرض، فيما يعتبر استخدامه في المناطق المدنية انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني إذا لم يراعِ مبادئ التمييز والتناسب.
وفي السياق نفسه، وثقت مصادر محلية ومنظمات حقوقية خلال الأسابيع الماضية غارات جوية استهدفت مناطق في شمال كردفان باستخدام براميل متفجرة ألقيت من طائرات نقل عسكرية، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين.
وقالت مجموعة "محامو الطوارئ"، في بيان صدر في 30 حزيران/يونيو 2026، إن طائرة تابعة للجيش ألقت براميل متفجرة على منطقتي أم دبيب والزراف شمال محلية أم بادر، ما أسفر عن إصابة عشرات المدنيين، بينهم أطفال ورعاة، إضافة إلى نفوق أعداد من الماشية.
وأضافت أن القصف استهدف أيضاً منطقة الزراف، وهي إحدى مناطق التعدين الأهلي، مشيرة إلى أن المنطقتين كانتا خاليتين من أي وجود عسكري وقت الهجوم، وتستخدمان لأغراض مدنية تشمل موارد المياه ومناطق التعدين، معتبرة أن ذلك يعكس استمرار نمط من الهجمات الجوية العشوائية التي تستهدف مناطق مدنية منذ عام 2023.
وفي موازاة التطورات العسكرية، أفادت تقارير سودانية بأن مدينة الأبيض، عاصمة ولاية شمال كردفان، تشهد تحركات عسكرية متزايدة، في ظل اتهامات بتوظيف الملف الإنساني ضمن إدارة الصراع، مع ورود معلومات عن منع بعض المدنيين من مغادرة المدينة رغم تدهور الأوضاع المعيشية.
كما نقلت صحيفة "إدراك" السودانية عن مصادر قولها إن كتيبة البراء بن مالك أدخلت خلال الفترة الماضية أسلحة وصفتها المصادر بأنها "محظورة" إلى مدينة الأبيض، ضمن ترتيبات عسكرية شملت استخدام عدد من المباني، بينها منشآت جامعية، لأغراض التخزين والانتشار، الأمر الذي أثار مخاوف بشأن سلامة المدنيين والمنشآت المدنية في ظل استمرار المعارك.
وتأتي هذه التطورات في وقت تتزايد فيه الدعوات الدولية إلى وقف استهداف المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وفتح تحقيقات مستقلة في الانتهاكات المرتكبة من مختلف أطراف النزاع، وسط استمرار الحرب واتساع تداعياتها الإنسانية والأمنية.





















































