مرّت ذكرى تغييب الإمام السيد موسى الصدر، وبقي السؤال الذي تتجاوز دلالته المناسبة والتاريخ: ماذا فعلنا بالرسالة التي تركها، وأين أصبح الإنسان الذي جعل الدفاع عن كرامته ورفع الحرمان عنه محورًا لنضاله؟
يأتي هذا السؤال اليوم وفي القلب غصّة مما تراه عيوننا من إجرام تدميري وإلغائي يطال الإنسان والأرض والمعالم الدينية والثقافية والتاريخية، وصولًا إلى مؤسسات الدولة الرسمية والأمنية، وكأن المقصود هو محو الصدى لكلمات قالها صاحب الذكرى، الإمام المغيَّب موسى الصدر، وبقيت راسخة في الوجدان اللبناني وواعدةً قولًا وفعلًا:
"حتى لا يبقى محروم، أو منطقة محرومة، في لبنان." ونضيف مع الشاعر: "بأيّة حال عدتِ يا ذكرى؟"
لم يحدّد سماحته يومها نوع المحروم، ولا لونه، ولا جنسه، ولا طائفته. وحين دقّ ناقوس الخطر من أجل محرومي دير الأحمر ورأس بعلبك والقاع، اتّضح أكثر فأكثر قصده:
وحدة محرومي لبنان، كل محرومي لبنان.
كانت عمامته، وقلبه، وبيته، ومنبره مفتوحة لهم جميعًا.
ولم تكن العمامة، في هذا المعنى، علامة انغلاق طائفي، بل رمز مسؤولية. كانت تعني أن رجل الدين لا يحمل جماعته ليعزلها عن الآخرين، بل يحمل الإنسان إلى كرامته؛ وأن كرامة الشيعي لا تنفصل عن كرامة المسيحي، ولا كرامة ابن الجنوب عن كرامة ابن البقاع أو الشمال أو الجبل.
وهنا تحديدًا أرى في رسالة الإمام نواةً لما أسميه "التكاؤُن": ألا تكتمل كرامة إنسان إلا مع كرامة الآخر، في "نحن" لا تلغي أحدًا ولا تستثني أحدًا.
هنا كان الإمام قائدًا: لا لأنه طلب مجدًا لشخصه، بل لأنه أراد أن يُرفع الحرمان عن الإنسان.
ولعل هذا تحديدًا ما جعل الخصم — الشبح المستقتل لتفسيخ لبنان تقاتلا بين أديانه ومذاهبه خدمة لعنصريته — يرتعب من مسيرة الإمام الصدر ومن أفقها، فوضع لها، بالتغييب، خطًّا عموديًا فاصلًا، من دون أن ينتبه إلى أن رسالة الإمام كانت قد رسمت خطّها الأفقي العابر لما قبل التغييب وما بعده:
"رسالتي الدفاع عن الإنسان المحروم المعذَّب." في أي مكان وزمان.
وهكذا، في قراءتي المسيحية لهذه الصورة، اكتمل الصليب: تغييب عمودي أراد أن يقطع المسيرة، ورسالة أفقية أصرّت على مواصلة الحياة.
لكن، بعد ثمانية وأربعين عامًا، لا يكفي أن نقف أمام هذا الصليب متأملين. لقد حان الوقت لأن نسأل:
ماذا فعلنا بالرسالة؟ وهنا تبدأ، في رأيي، المسؤولية الحقيقية تجاه الإمام موسى الصدر.
فالرجال الكبار لا يُكرَّمون فقط بتكرار أقوالهم، ورفع صورهم، وإحياء ذكراهم. يُكرَّمون أيضًا، وربما خصوصًا، عندما نضع ما قالوه وما فعلوه تحت النقد التاريخي والديني، ونقارن بين ما أرادوه وما آل إليه الواقع بعدهم. والسؤال اليوم مؤلم.
ذلك المكوّن اللبناني الشيعي الذي أراد الإمام أن ينتقل به من الحرمان إلى الكرامة، يجد نفسه اليوم يدفع أثمانًا باهظة في الإنسان، والأرض، والبيت، والاقتصاد، والهجرة، والخوف على الأبناء ومستقبل الأجيال.
وهنا لا يعود السؤال فقط: ماذا قال الإمام؟ ولا: ماذا فعل الإمام؟ بل: هل حققنا الكرامة التي أرادها للإنسان، أم أننا أبقينا الإمام في الذاكرة وتركنا الإنسان الذي دافع عنه يدفع الثمن؟
هذه ليست إساءة إلى الإمام. بل العكس. إنها تحرير له من أن يتحول إلى صورة جامدة في الذاكرة. فحين نمنع النقد عن شخصية تاريخية، نظن أننا نقدّسها، بينما قد نكون قد فصلناها عن التاريخ الذي أعطاها معناها. أما بالنسبة إلى الدين، عندما نسقط الذكريات عليه، فيجب أن نكون أكثر حذرًا.
الله وحده هو المطلق. أما البشر، مهما عظم شأنهم، فهم شهود، وخدام، وحملة رسالة. يقومون بدورهم، ويتركون ما استطاعوا من نور، ثم يرحلون. ولا يجوز أن تتحول الذاكرة الدينية أو السياسية إلى نوع من الإقامة الدائمة مع أشخاص مضوا، فيما الذين يمسكون اليوم بمصير البلاد والعباد لا يخضعون للمساءلة نفسها. إننا في لبنان كثيرًا ما نرفع صور رجال رحلوا، ونتباكى عليهم، ونستعيد أقوالهم، فيما من قتلهم وغيّبهم هو المستمرّ بصنع بؤس حاضرنِا وحرمان أجيالنا. وهنا تكمن الخطورة.
ما قيمة أن نمجّد من دعا إلى العدالة، إن لم نسأل أين العدالة اليوم؟ وما معنى أن نحتفل بمن دافع عن المحرومين، إن لم نسأل من هم محرومو هذا الزمن؟ وما فائدة أن نكرر خطاب الكرامة، إن لم نقس كرامة الإنسان الذي يعيش بيننا الآن؟ من هنا تصبح الذكرى امتحانًا. امتحانًا للذين ورثوا المسؤولية. وامتحانًا لنا جميعًا.
وبعد ما وصلنا إليه اليوم، الشرق عامة ولبنان خاصة، أرى أننا بحاجة إلى عودة مزدوجة:
عودة أولى إلى الكتب المقدسة، لا لنستعملها لتبرير انقساماتنا، بل لنستعيد منها مركزية الله، وكرامة الإنسان، والعدل، والرحمة، ومسؤولية الإنسان أمام خالقه.
وعودة ثانية إلى المخزون العلمي الذي راكمته الإنسانية: في الاقتصاد، والاجتماع، والتربية، والإدارة، والسياسة، والقانون، وسائر العلوم التي لا تقوم دولة حديثة من دونها.
فالأوطان لا تُبنى بالعاطفة وحدها. ولا بالحنين. ولا بتقديس الأشخاص. ولا بالوعود الوهمية. الأوطان تُبنى بالمعرفة، والنقد، والمؤسسات، والمحاسبة، والعمل المسؤول على الأرض. ولذلك، لعل السؤال الذي يليق اليوم بذكرى الإمام السيد موسى الصدر ليس فقط:
أين الإمام؟ بل أيضًا: أين نحن من الإمام؟ وأين نحن من الإنسان الذي أراد أن يحرره من الحرمان؟ ولماذا، بعد كل من عبروا في تاريخنا، وضحّوا من أجل الحق والعدل والكرامة، آل بنا الأمر إلى ما نحن عليه؟ وما العمل الجاد، فكريًا وعلميًا وعمليًا، الذي يجب أن نقوم به الآن؟
أكيد، لا أن نشتم الظلمة. ولا أن نهرب منها إلى أمجاد الماضي. ولا أن نعالج عجز الحاضر بالعواطف والخطابات. بل أن نضيء "شمعة".
فأجمل وفاء للإمام موسى الصدر ليس أن نجعل له تمثالًا في الذاكرة، بل أن نعيد إليه، أي إلى "المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى" الذي أسّسه، دوره ومعنى تأسيسه؛ وأن يعود، مع أمثاله من المراكز القيادية الدينية الصرفة، مظلّة لكرامة الإنسان، كل إنسان. وأن نجعل من ذكرى الإمام سؤالًا حيًا يحاسب حاضرنا، ويدفعنا إلى صناعة مستقبل يليق بأولادنا.
فالماضي يُحترم، لكنه لا يُعبد. والرجال يُكرمون، لكن الله وحده هو المطلق.
والكرامة التي أرادها الإمام لا تُقاس بمقدار ما نقوله عنه، بل بمقدار ما يعيشه الإنسان الذي ناضل من أجله، وما يخططه لحاضره ومستقبل أجياله على أرض هذا الوطن التي تصرخ من جنوبها، حجرًا وشجرًا وبشرًا، إلى الله كي يزيل الطغاة عنها وعن شعبها.
*مبتكر مفهمة التكاؤن وواضع أسسها الفلسفية























































