كشفت التطورات الميدانية في المناطق التي تُعرف بـ"المناطق التجريبية" أن المشهد أكثر تعقيدًا من مجرد انتشار للجيش اللبناني، إذ إن ما يجري هو اختبار لآلية جديدة يُراد تعميمها لاحقًا على مناطق أخرى جنوب الليطاني. لكن الوقائع الميدانية تشير إلى أن هذه الآلية لا تزال تصطدم بعقبات جوهرية تمنع تطبيقها بالشكل الذي ترغب به الولايات المتحدة وإسرائيل.
ففي المرحلة الحالية، دخل الجيش اللبناني إلى أجزاء من بلدة زوطر الغربية، إلا أن هذا الدخول بقي منقوصًا، إذ لا تزال هناك أحياء وخطوط يمنع الجيش من الوصول إليها بسبب استمرار رفض الجيش الإسرائيلي لذلك، واستخدامه النار، حيث تجلى ذلك بإطلاق القوات الإسرائيلية النار باتجاه وحدات الجيش اللبناني لمنعها من التقدم نحو بعض النقاط، في رسالة واضحة مفادها أن إسرائيل لا تزال تتحكم بحدود الحركة، وأن الحديث عن انتقال كامل للمسؤولية الأمنية إلى الدولة اللبنانية لا يزال سابقًا لأوانه.
في المقابل، فإن المهمة الفعلية التي ينفذها الجيش اللبناني اليوم لا تتمثل بعمليات دهم أو تفتيش واسعة، بل تتركز على تأمين البيئة الميدانية وإزالة الأخطار الناتجة عن الحرب. فالأولوية، بحسب مصادر عسكرية مطلعة، هي تنظيف المناطق التي دخل إليها الجيش من المتفجرات والعبوات الناسفة ومخلفات القصف، وهي عملية تستدعي منع المدنيين من العودة موقتًا، حفاظًا على سلامتهم. كما أن منع الأهالي من الدخول يرتبط أيضًا، بحسب المصادر، بالرغبة في تجنب أي احتكاك أو سوء فهم خلال تنفيذ الأعمال العسكرية والهندسية، بما يمنع استغلال أيّ حادث داخلي لإحداث توتر بين الجيش والبيئة المحلية.
وتشير المعطيات إلى أنّ التنسيق بين الجيش اللبناني والجهات المعنيّة في البلدة، بما فيها حزب الله، لا يزال قائمًا، ولو ضمن حدوده الدنيا، بما يسمح بإدارة المرحلة الانتقالية بهدوء ومن دون صدامات. ويعكس ذلك إدراكًا لدى مختلف الأطراف بأن أيّ احتكاك داخلي لن يخدم سوى إسرائيل، التي تسعى إلى إظهار أن تنفيذ الترتيبات الأمنية الجديدة مستحيل من دون مواجهة بين الجيش والحزب أو بين الجيش والأهالي.
ومن هنا، تبدو قيادة الجيش حريصة على اعتماد مقاربة تدريجية تقوم على تثبيت حضور الدولة من دون الدخول في مواجهات داخلية. ولذلك فإنّ أيّ عمليات تحقق أو تفتيش ستبقى مضبوطة إلى أقصى حد، وخصوصًا عندما يتعلق الأمر بالممتلكات الخاصة، لأنّ المؤسسة العسكرية تدرك حساسية هذا الملف وانعكاساته السياسية والشعبية، وتحرص على عدم تقديم أيّ مشهد يمكن أن يُفسّر بأنه تنفيذ لأجندة إسرائيلية أو استهداف لبيئة الجنوب.
وفي الوقت نفسه، تشير المصادر عبر "النشرة" إلى أن الجيش اللبناني يتمسك بموقف يعتبر أن نجاح أي نموذج أمني يفترض أولاً انسحاب إسرائيل الكامل من الأراضي التي يفترض أن ينتشر هو فيها، فالانتشار تحت النار أو في ظل بقاء الاحتلال في نقاط متقدمة يفقد العملية معناها، ويجعل الجيش يتحمل مسؤوليات أمنية من دون امتلاكه كامل حرية الحركة. لذلك تبقى مسألة الانسحاب الإسرائيلي وآلية التحقق من هذا الانسحاب من أبرز النقاط العالقة التي ستحدد مستقبل هذه التجربة وإمكانية تعميمها على بلدات أخرى.
وعليه، فإن المرحلة الحالية يمكن وصفها بأنها مرحلة إدارة دقيقة للتوازنات، يحاول فيها الجيش تثبيت حضوره من دون الاصطدام ببيئته، فيما يرفض في الوقت نفسه تحويل انتشاره إلى غطاء لواقع ميداني تفرضه إسرائيل بالقوّة. لكن الضغوط على الجيش وقيادته كبيرة.