لفت البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، خلال ترؤّسه قدّاس الشّكر على تطويب البطريرك مار الياس بطرس الحويك في الديمان، إلى "أنّنا نلتقي في هذا الصرح البطريركي الّذي شيّده البطريرك الحويك، لنحتفل بقدّاس الشّكر على تطويبه. فها هو رجلٌ عاش حياته كلّها مع المسيح، وشعاره "إلهي رضاك". فلم يبدّد بل جمع، ولم يفرّق بل وحّد، ولم يبحث عن مجدٍ شخصي؛ بل جعَل من الحقيقة والإنسان والوطن رسالةً عاش من أجلها".
واعتبر أنّ "تطويبه ليس تكريمًا لشخصه فحسب، بل هو شهادةٌ حيّة بأنّ الّذي يسير مع المسيح، يجعل الله منه نورًا لكنيسته، وبركةً لوطنه، ورجاءً لشعبه"، مشيرًا إلى أنّ "الطوباوي الجديد وُلد في بلدة حلتا البترونيّة في 4 كانون الأوّل 1843، وتوفّي ليلة عيد الميلاد سنة 1931 عن ثمانٍ وثمانين سنة، قضى منها اثنتين وثلاثين سنة بطريركًا".
وذكر البطريرك الرّاعي أنّه "عندما قيل لوالدته إنّ ابنها انتُخب بطريركًا، أجابت: "جعل الله ذلك لخلاص نفسه، وخير الطائفة، وحماه الله من المجد العالمي. إنّي أخاف أن يجرّه مجد البطريركيّة إلى المجد الباطل، فيضطّر أن يتأسّف يومًا وهو في إبّان العظمة البطريركيّة، على بساطة حلتا وقداسة الحياة فيها. وختمت والدته فصلّوا لأجله".
وشدّد على أنّه "كان مجلّيًا وجدّيًّا وتقيًّا ومتعبّدًا للسّيدة العذراء، منذ كان طالبًا في إكليريكيّة غزير، حيث تميّز بذكائه الحادّ وتعطّشه إلى المعرفة وبحسّه النّقدي وحبّه للقراءة، حتى كان يقفز الصفوف إذ بسنة واحدة أنجز برنامج 3 سنوات، فلُقِّب بـ"أبو فشخة".
كما أوضح أنّ "الحويّك لمع بالأكثر في إكليريكيّة روما الحبريّة "Propaganda Fide"، حيث أعطى الكاردينال المشرف عليها هذه الشّهادة: "... ليس لي إلّا أن أثني جزيل الثّناء على ما تركه من القدوة الصالحة في المسلك الّذي سار عليه مدّة إقامته في هذه المدرسة، مثمّنًا المواهب السنيّة والصفات الجميلة المزيَّن بها عقله وقلبه. وبناءً عليه، فإنّي لا أرتاب بأنّ أعمال هذا الرّسول الجديد ستأتي بالنّفع الكبير على أبناء طائفته".
وأفاد الرّاعي بأنّ "بعد رجوعه إلى لبنان في 9 آب 1870، كلّفه البطريرك بولس مسعد بتدريس اللّاهوت في إكليريكيّة القدّيس يوحنا مارون في كفرحي. في سنة 1874، استدعاه البطريرك إلى بكركي وقلّده وظيفة أمين سرّ البطريرك ومحامي الوثاق في الدّيوان البطريركي، واستمرّ في الوظيفة 17 سنة. ثم رقّاه البطريرك مسعد في 14 كانون الأول 1882، إلى الدّرجة الأسقفيّة كنائب بطريركي. وبعد وفاة البطريرك مسعد، اعتمده البطريرك يوحنا الحاج نائبًا بطريركيًّا".
وركّز على أنّ "حياته تميّزت بكونه رجل العناية الإلهيّة، ففيها وضع كلّ ثقته، ومنها استمدّ كلّ قوته. فنجد في جميع كتاباته وأقواله هذه العبارة: "وما التوفيق إلّا بالله وعليه الاتكال"، مبيّنًا أنّه "لطالما ردّد في أيامه الصعبة كلمة الرّبّ يسوع لبولس الرّسول: "تكفيك نعمتي" (2 قور 12: 9)، وكلمة الرّبّ لإسحاق: "لا تخف فإني معك" (تك 26: 24)".
وأضاف: "تميّز بأنه "ملجأ الفقراء والمظلومين". فأخذ على عاتقه محاربة كلّ أنواع الفقر والظّلم، حتى لُقِّب بـ"بطريرك الفقراء". وفي زمن المجاعة سنة 1916، بنتيجة الحصار الّذي فرضه العثمانيّون، وقد حصد ثلثَي الشعب اللبناني، عندها أمر البطريرك بفتح أبواب الكرسي البطريركي في الدّيمان وبكركي والأديار أمام ضحايا الجوع، لتوزيع الخبز مجّانًا. وأوكل إلى الأب بولس عقل (المطران فيما بعد) تحصيل المؤن القادمة سرًّا من جزيرة رودس سنة 1917، معرِّضًا حياته للخطر، وتوزيعها على المحتاجين".
ولفت الرّاعي إلى أنّ "البطريرك الحويك تميّز بالغيرة الرّسوليّة، كغيرة إيليا النبي الّذي اتخذ اسمه. فاعتنى بالرهبانيّات الّتي اعتبرها "حصن الكنيسة المارونيّة"، وبالمدارس الإكليريكيّة، وبمشاريع الإعمار والترميم، وبإنشاء المدارس، وبتأسيس ثلاث نيابات بطريركيّة: في القدس (1895)، والقاهرة (1909)، وباريس (1914)؛ ومعبد سيدة لبنان- حريصا (1905 – 1908)".
إلى ذلك، أشار إلى أنّ "من أهمّ إنجازاته، تأسيس جمعيّة راهبات العائلة المقدسة المارونيات مع الأخت روزالي نصر، ووضع قوانينها، مركّزًا على موهبتها الخاصة، أي: الكمال الشخّصي، الأعمال الإنسانيّة، وتربية الفتيات على أسس الدّين والعلم والعمل. ولم تزل هذه الجمعيّة آخذة بالازدهار الرّوحي والاجتماعي منذ تأسيسها حتى أيّامنا".
وأكّد أنّ "إنجازه السّياسي الأكبر، هو إسهامه في الحصول على دولة لبنان الكبير من مؤتمر الصلح في باريس سنة 1919، فيما كانت فرنسا وبريطانيا تتقاسمان غنائم الحرب الكونيّة الأولى، وترسمان خريطةً جديدةً للغاية. فانتزع اللّبنانيّون، وعلى رأسهم الموارنة بقيادة البطريرك الحويك، كيان وطنهم بحدوده الحاضرة".
وشدّد الراعي على أنّهم "استحقّوه بما عانوا من أجله منذ أخذهم بالمسيحيّة في حلّتها الأنطاكية السريانية. وبالتالي لم يُعطَ وطنهم كمنّة من أحد. فكلّفهم ذلك إرسال ثلاثة وفود رسميّة تمثّل جميع الطوائف، إلى مؤتمر الصلح في باريس، وكان الثّاني برئاسة البطريرك الحويك بنفسه، والثّالث برئاسة نائبه البطريركي المطران عبد الله خوري".
وتابع: "وجَّه البطريرك مذكرةً إلى المؤتمر في 25 تشرين الأوّل 1919، ضمَّنها أربعة مطالب: أوّلًا الاعتراف للبنان بالاستقلال، ثانيًا إعادة لبنان إلى حدوده التاريخيّة والطبيعيّة بإرجاع الأراضي الّتي سلختها عنه تركيا، ثالثًا معاقبة المرتكبين والمسبّبين للقتل والفظائع، وإلزام الحكومة التركية بالتعويضات، ورابعًا المطالبة بالانتداب الفرنسي، شرط ألّا يؤثّر على السيادة المطلقة".
كما دعا الرّاعي إلى أن "نخرج من هذا الاحتفال بعزمٍ متجدّد على أن نكون مع المسيح، وأن نجمع معه ولا نبدّد، وأن نجعل من حياتنا شهادةً للحق، ورسالةً للمحبّة، وعلامةً للرّجاء".
وختم: "لنرفع صلاتنا إلى الله، بشفاعة الطوباوي البطريرك الياس الحويك، أن يحفظ كنيسته أمينةً للإنجيل، وأن يبارك لبنان بالسّلام والوحدة والاستقرار، ويمنح المسؤولين الحكمة والإخلاص، حتى تستعيد الدّولة هيبتها، ويعلو سلطان الحق والقانون، ويبقى لبنان وطن أرض الرّسالة والحرّيّة والرّجاء".



















































