لم تكن المواجهة العسكرية الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد جولة جديدة من التصعيد بين الخصمين، بل شكلت محطة مفصلية دفعت طهران إلى إعادة تقييم أولوياتها السياسية والأمنية. فالضربات التي استهدفت منشآت وقادة عسكريين، وما رافقها من ضغوط إقليمية ودولية، فتحت الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كانت إيران تتجه إلى تغيير استراتيجيتها، أم أنها تعيد ترتيب أولوياتها بما يتناسب مع مرحلة ما بعد الحرب. وبين هذين الرأيين، يرى الخبير في الشؤون الإيرانية موسى شريفي أن ما يجري لا يعكس تحولًا جذريًا في سياسة الجمهورية الإسلامية، بل عملية إعادة تموضع تفرضها الوقائع الجديدة.
ويقول شريفي إن الهدف الأول للنظام الإيراني بات اليوم ضمان بقائه واستقراره الداخلي، بعدما كشفت الحرب ثغرات أمنية وعسكرية استدعت إعادة ترتيب الأولويات. ويشير إلى أن حماية مؤسسات الدولة والقيادة السياسية والعسكرية أصبحت تتقدم على أي مشروع توسعي أو أيديولوجي، لافتًا إلى أن الضربات التي استهدفت منشآت وقادة عسكريين دفعت إيران إلى تكثيف جهودها لإعادة بناء قدراتها الدفاعية، وتعزيز منظومات الاستخبارات والدفاع الجوي، وتأمين المنشآت الاستراتيجية، مع مراجعة شاملة للثغرات التي ظهرت خلال المواجهة.
لكن في المقابل، ترى مصادر أن "الحرب كشفت أيضًا حجم الاختراقات الأمنية التي تعرضت لها إيران، بعدما تمكنت الضربات من الوصول إلى أهداف حساسة داخل البلاد"، معتبرة أن "التحدي الحقيقي أمام القيادة الإيرانية لن يقتصر على إعادة بناء القدرات العسكرية، بل سيشمل أيضًا استعادة الثقة بفعالية المنظومة الأمنية ومنع تكرار مثل هذه الاختراقات مستقبلاً".
وفي الجانب السياسي، يرى شريفي أن طهران أظهرت قدرًا أكبر من البراغماتية في التعامل مع الملف الدبلوماسي. فعلى الرغم من استمرار الخطاب المتشدد تجاه الولايات المتحدة، برزت مؤشرات على استعداد أكبر لاستخدام المفاوضات كوسيلة لتخفيف الضغوط السياسية والعسكرية، والحصول على ضمانات أمنية. ويستشهد بخطابات عدد من المسؤولين الإيرانيين، ومن بينها الخطبة المنسوبة إلى مجتبى خامنئي، التي كرر فيها وصف الولايات المتحدة بـ"الشيطان الأكبر"، من دون أن يتحدث عن رفض مبدأ التفاوض معها، وهو ما يراه مؤشرًا إلى إبقاء الباب مفتوحًا أمام الخيارات الدبلوماسية.
في المقابل، تعتقد مصادر أن "أي مسار تفاوضي لن يكون سهلًا، في ظل استمرار انعدام الثقة بين طهران وواشنطن"، مستبعدة "استمرار الاتصالات غير المباشرة، خصوصًا إذا رأى الأفرقاء المعنيون أن تكلفة التصعيد العسكري باتت أعلى من تكاليف العودة إلى طاولة المفاوضات".
ويضيف شريفي أن مضيق هرمز سيبقى إحدى أهم أوراق الضغط الإيرانية، ليس فقط بصفته ممرًا حيويًا لتجارة الطاقة العالمية، بل أيضًا باعتباره ورقة تفاوض استراتيجية يمكن لطهران استخدامها لتعزيز موقعها في أي تسوية مقبلة.
إعادة صياغة عقيدة الردع
ويرى شريفي أن الحرب دفعت إيران إلى مراجعة مفهوم الردع الذي اعتمدته خلال السنوات الماضية. فإذا كان الردع يقوم سابقًا على المزج بين البرنامج الصاروخي وشبكة الحلفاء الإقليميين، فإن التطورات الأخيرة كشفت أن هذا النموذج يحتاج إلى إعادة تقييم بعد تعرض منشآت عسكرية وشخصيات بارزة لضربات مباشرة. لذلك، يتوقع أن تركز طهران خلال المرحلة المقبلة على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتطوير منظوماتها الأمنية والاستخباراتية، ورفع جاهزية مؤسساتها العسكرية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة قد تستنزفها عسكريًا وسياسيًا.
هل تغيّرت العقيدة الإقليمية؟
ورغم هذه التحولات، يشدد شريفي على أن إيران لم تتخلَّ عن سياستها الإقليمية، لكنها أصبحت أكثر حذرًا في إدارتها. ويعتبر أن الحديث عن تراجع نفوذها في المنطقة لا يزال مبكرًا، إلا أن أسلوب إدارة هذا النفوذ مرشح للتغيير، بحيث تميل طهران إلى تقليل كلفة حضورها الإقليمي، والاعتماد بصورة أكبر على الأدوات السياسية والأمنية والدبلوماسية، مع تجنب أي خطوات قد تمنح خصومها مبررًا لتوسيع المواجهة العسكرية.
غير أن هذه القراءة لا تحظى بإجماع كامل، إذ ترى المصادر أن الضغوط التي تواجهها إيران قد تدفعها تدريجيًا إلى تقليص انخراطها في بعض الساحات الإقليمية، بينما يعتبر آخرون أن طهران ستلجأ إلى إعادة توزيع أدوات نفوذها بدل التخلي عنها، مع التركيز على إدارة هذا النفوذ بكلفة أقل وبمرونة أكبر.
وفي موازاة ذلك، يرى شريفي أن البرنامج النووي سيبقى أحد أبرز عناصر القوة في السياسة الإيرانية خلال المرحلة المقبلة. ويشير إلى أن طهران ستواصل التعامل معه بوصفه ورقة استراتيجية يمكن استخدامها في أي مفاوضات مستقبلية مع الغرب، سواء عبر الاستمرار في تطوير قدراتها النووية أو عبر إبداء استعدادها لتقديم تنازلات محدودة إذا اقترنت بضمانات ومكاسب سياسية وأمنية.
شراكة مصالح لا تحالف عسكري
وفي ما يتعلق بالعلاقات مع الصين وروسيا، يصف شريفي البلدين بأنهما لا يزالان الشريكين الاستراتيجيين الأبرز لإيران، إلا أن العلاقة أصبحت أكثر براغماتية، وظهرت حدود واضحة لما يمكن أن يقدماه لطهران. ويشير إلى أن الصين ستواصل توفير متنفس سياسي لإيران، لكنها لن تدخل في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عنها، لأن أولويتها تبقى حماية مصالحها التجارية وأمن الطاقة.
أما روسيا، فيقول إنها تواصل تعاونها مع إيران في مجالات الطاقة والتقنيات والتنسيق العسكري، وقدمت، بحسب تقارير استخباراتية غربية، أشكالًا من الدعم الاستخباراتي والتقني، لكنها امتنعت عن أي تدخل عسكري مباشر، في ظل انشغالها بالحرب في أوكرانيا وحساباتها الأوسع مع الغرب. ويخلص إلى أن العلاقة بين موسكو وبكين وطهران هي شراكة مصالح وليست تحالفًا عسكريًا ملزمًا، وبالتالي فإن الصين وروسيا ستواصلان دعم إيران سياسيًا وتقنيًا ضمن حدود لا تعرض مصالحهما الكبرى للخطر.
ويرى شريفي أن أحد أبرز تداعيات الحرب يتمثل في أنها وضعت القيادة الإيرانية أمام اختبار حقيقي لقدرتها على إدارة مرحلة ما بعد المواجهة، سواء على مستوى الحفاظ على تماسك مؤسسات الدولة أو إعادة بناء منظومة الردع. ويرى أن نجاح طهران في هذه المرحلة لن يقاس فقط بقدرتها على إعادة ترميم قدراتها العسكرية، بل أيضًا بقدرتها على إقناع الداخل والخارج بأنها ما زالت قادرة على فرض معادلات جديدة تمنع تكرار سيناريو المواجهة الأخيرة.
يبدو أن الحرب الأخيرة فتحت مرحلة جديدة في مسار العلاقة بين إيران والولايات المتحدة، وفرضت معادلات مختلفة على المستويين الإقليمي والدولي. ويبقى اتجاه الأحداث في المرحلة المقبلة مرتبطًا بمسار التوازنات السياسية والأمنية، وما إذا كانت ستقود إلى احتواء التصعيد عبر الدبلوماسية، أم إلى جولة جديدة من المواجهة.