تُحاول إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إخضاع إيران بشتى الوسائل، وقد جرّبت حتى تاريخه الاغتيالات الشاملة، والغارات المدمّرة، والعقوبات المالية، والحصار الاقتصادي، إلخ. ولجأت في الآونة الأخيرة إلى تصعيد هجماتها على ناقلات النفط الإيرانية. فهل هذه الوسيلة ناجعة؟
بدايةً، من الضروري التفريق بين أسطول «شركة الناقلات الوطنية الإيرانية»، التي تُعدّ أكبر شركة ناقلات نفط على مستوى الشرق الأوسط، وتتبع مباشرةً «شركة النفط الإيرانية الوطنية»، وبين «الأسطول الخفي» المرتبط بإيران، أي سفن النقل التي لا ترفع العلم الإيراني خلال إبحارها، والتي تُستعمل للالتفاف على العقوبات والحصار. فعدد ناقلات النفط المملوكة بشكل واضح للجانب الإيراني يتراوح بين ستين وسبعين ناقلة، لكن ليست جميعها موضوعة في الخدمة حاليًا، بسبب أعطال أو الحاجة إلى صيانة مكلفة أو إلى قطع غيار غير متوافرة في ظل الحصار. ويُضاف إلى هذا الأسطول مجموعة من «سفن الظل» التي تلجأ إليها إيران من تحت الطاولة للالتفاف على العقوبات وتهريب صادراتها.
وتتولى كل هذه السفن نقل النفط الخام بالدرجة الأولى، إضافةً إلى بعض المشتقات النفطية وغاز البترول المسال ومادة الميثانول. وكانت صادرات الخام الإيرانية تقارب نحو مليوني برميل يوميًا في آذار 2026، أي قبل فرض الحصار الأميركي الحالي، مع الإشارة إلى أن الصين تُشكّل المشتري الرئيس للنفط الإيراني. لكن هذه الصادرات هبطت إلى نحو ربع مليون برميل يوميًا، بحسب إحصاءات شهر آب الماضي، بفعل تشديد قيود الحصار وتكثيف الإجراءات الأمنية الأميركية ضد المرافئ الإيرانية.
وليس بسرّ أن أسطول الناقلات المذكور يُمثّل شريان تصدير النفط الإيراني والحصول على العملة الأجنبية؛ وبالتالي، من شأن تعطيله أن يضغط مباشرةً على إيرادات الجمهورية الإسلامية في إيران، وأن ينعكس سلبًا على قدرتها على تمويل دورتها الاقتصادية. وخلال الأيام القليلة الماضية، قامت البحرية الأميركية بضرب المزيد من ناقلات النفط الإيرانية وإغراق بعضها، لكنها لا تمثّل مجتمعةً أكثر من 10% من إجمالي الأسطول الذي تملكه طهران. وبالتالي، فإن تحقيق نتائج سريعة من عمليات التدمير والتعطيل التي تستهدف ناقلات النفط الإيرانية يحتاج إلى فترة زمنية طويلة، على الرغم من أنه يؤثر سلبًا جدًا على كامل الواقع المعيشي في إيران. ويمكن القول إن وتيرة الاستهدافات الأميركية الحالية لناقلات النفط الإيرانية ما زالت في حدود التحذير والضغط الجزئي، ولم تبلغ مرحلة التدمير الشامل والكامل.
ومنعًا للوصول إلى هذه المرحلة، تعمل إيران على الرد بقوة على كل تعطيل لأي ناقلة، مستهدفةً قواعد للجيش الأميركي في المنطقة، ومنشآت نفطية في دول الخليج، في محاولة لإيجاد نوع من توازن الرعب. لكن طهران لا تعوّل على الحل العسكري فحسب، لأنه لا يصبّ في صالحها، إذ إنها تأمل أن تكون أزمة ارتفاع أسعار الطاقة على مستوى العالم المظلّة التي ستحميها من مزيد من الهجمات الأميركية التي تدمّر أصولها بشكل تراكمي خطير. وهنا تجدر الإشارة إلى أن سعر برميل خام برنت، وهو المعيار الدولي الرئيس لتسعير النفط الخام، ويُستعمل لتحديد أسعار نحو ثلثي إنتاج النفط العالمي، تجاوز من جديد عتبة المئة دولار للبرميل الواحد، علمًا أن نيسان الماضي كان قد سجّل رقمًا قياسيًا، مع وصول سعر برميل النفط الخام إلى 126 دولارًا أميركيًا بسبب احتدام التوتر الجيوسياسي إقليميًا. لكن الحديث عن مفاوضات وعن احتمال التوصل إلى تسوية بين واشنطن وطهران أعاد خفض الأسعار نسبيًا، الأمر الذي امتصّ جزءًا من الغضب الشعبي العالمي الرافض لغلاء أسعار النقل والتدفئة.
وحاليًا، تراهن إيران على أن تتسبب أزمة الغلاء المستشري بنقمة شعبية على إدارة الرئيس ترامب، عشية الانتخابات الأميركية النصفية في الثالث من تشرين الثاني المقبل، بحيث يُضطر الرئيس الأميركي إلى البحث مجددًا عن تسوية ما مع طهران، بغرض إعادة خفض الأسعار ووقف تراجع شعبية الحزب الجمهوري. والمشكلة أن رفع الأسعار قبل إعادة خفضها، ومن ثم رفعها مرة أخرى وخفضها من جديد، تحوّل إلى جزء طبيعي من الصراع الحالي، على حساب القدرة الشرائية لسكان العالم. ومن المعروف أن هذا الصراع المستشري بين واشنطن وطهران يُلحق الضرر الأكبر بمعيشة الشعوب في الدول التي تعاني من مشكلات اقتصادية بارزة، كما هي الحال في لبنان. ولم يعد لوعود الرئيس الأميركي بقرب انتهاء الحرب وانخفاض الأسعار مجددًا أي مصداقية، علمًا أنه في آخر تصريحاته أرجأ حصول ذلك إلى ما بعد الانتخابات الأميركية النصفية!
في الختام، إن «شدّ الحبال» بين أميركا وإيران، الذي تحوّل لاحقًا إلى «عضّ أصابع» مع احتدام المواجهة، صار حاليًا عبارة عن محاولة «كسر عظم» ـ إذا جاز التعبير ـ، حيث إن التفاوض المجمّد بين الفريقين على الصعيد السياسي، مفتوح في المقابل على مصراعيه على صعيد الضغط العسكري والتدمير المتبادل، بشكل يطال معيشة البشرية جمعاء. وما لم يحصل خرق على مستوى العودة إلى طاولة المفاوضات في المستقبل القريب، فإن المواجهة ستزداد قسوةً وعنفًا، وستتواصل إلى حين معرفة هوية من سيصرخ أولًا!