لم تمضِ سوى أيام على مغادرة الرئيس جوزاف عون واشنطن حتى بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طريقه إلى العاصمة الأميركية للقاء الرئيس دونالد ترمب. صحيح أنّ إيران تتصدر الأجندة المعلنة للقاء ترمب ونتنياهو، فيما يغيب لبنان عنها بوصفه بندًا مستقلًا، لكن ذلك لا يعزل ملف الجنوب عن النقاش، في ظل الارتباط بين نظرة إسرائيل إلى "حزب الله" ومقاربتها الأوسع للنفوذ الإيراني في المنطقة.
الأكيد أنّ نتنياهو لا يدخل البيت الأبيض من الموقع نفسه الذي دخله عون قبل أيام، فالرجلان يحملان روايتين مختلفتين، وربما متعارضتين إلى حد بعيد، بشأن الجنوب اللبناني. فقد ذهب عون إلى البيت الأبيض طالبًا استخدام النفوذ الأميركي لدفع إسرائيل إلى الانسحاب ودعم الجيش اللبناني، فيما يأتي نتنياهو بصفته حليفًا يفاوض واشنطن على شكل الأمن الإقليمي وحدود ما يمكن أن تقدمه إسرائيل وما ستطلبه في المقابل.
لكن غياب لبنان عن الأجندة المعلنة لا يعني أن الموقف الأميركي من الجنوب سيبقى بمنأى عن تأثير اللقاء، خصوصًا أنّ إدارة ترمب تدرك أن استمرار الخروقات الإسرائيلية يعقّد تنفيذ التفاهمات. فملف "حزب الله" وترتيبات الحدود والانسحاب الإسرائيلي تندرج ضمن مقاربة أوسع تربطها واشنطن وتل أبيب بالنفوذ الإيراني وأمن إسرائيل. من هنا، تُطرَح علامات استفهام حول ما إذاكانت الوعود التي سمعها عون من ترمب ستصمد بعد عرض نتنياهو رؤيته أمامه، وقبل جولة روما في الرابع من آب.
روايتان في البيت الأبيض
قبل أيام، دخل الرئيس جوزاف عون البيت الأبيض حاملًا مطلبين مترابطين: استكمال الانسحاب الإسرائيلي، ومساندة الدولة في حصر السلاح بيدها. كما قدّم تصورًا مكتوبًا لمعالجة ترسانة "حزب الله"، انطلاقًا من اقتناع لبناني بأن ترمب يملك النفوذ اللازم لدفع المسار من التفاهمات العامة إلى التنفيذ. خرج اللقاء بتعهدات أميركية بمساعدة لبنان، لكن من دون إعلان جدول زمني ملزم للانسحاب أو ضمانات تنفيذية واضحة.
هذا الغموض يجعل زيارة عون محطة في تكوين الموقف الأميركي لا صيغة نهائية له. فالوعود الرئاسية تكتسب وزنها من قدرتها على التحول إلى ضغط سياسي ومواعيد تنفيذ، لا من حرارة اللغة التي تقال بها. وطالما لم يظهر بعد التزام إسرائيلي بمسار انسحاب واضح، تبقى مساحة إعادة تفسير ما جرى في واشنطن واسعة، خصوصًا في غياب جدول زمني معلن لاستكمال الانسحاب.
في المقابل، يصل نتنياهو حاملًا أولويات مختلفة. فهو لا يحتاج إلى إقناع الإدارة الأميركية بأهمية الأمن الإسرائيلي، لكنه سيحاول التأثير في تعريفها لشروط هذا الأمن. وهكذا، يستطيع أن يقدم أي انسحاب من جنوب لبنان بوصفه خطوة تحتاج إلى مقابل، وأن يربطه بتقدم في نزع سلاح "حزب الله"، وتشديد الرقابة، ومنع إعادة بناء قدراته. بذلك، تتحول واشنطن من مكان تلقى فيه لبنان وعدًا بالمساعدة إلى ساحة يتنافس فيها الطرفان على تحديد مضمون المساعدة الأميركية وشروطها.
لبنان يطلب الضغط ونتنياهو يفاوض
تكشف الزيارتان تفاوتًا يتجاوز شكل الاستقبال. فلبنان يحتاج إلى وسيط قوي كي يحصل من إسرائيل على ما لا يستطيع فرضه ميدانيًا، ولا تبدو قوة أخرى قادرة، في المرحلة الحالية، على أداء هذا الدور بدلًا من الولايات المتحدة. أما إسرائيل فتدخل التفاوض مع الولايات المتحدة من داخل تحالف طويل، وتمتلك قنوات عسكرية وأمنية وسياسية تؤثر في صياغة القرار الأميركي قبل وصوله إلى طاولة الوساطة.
لا يعني ذلك أن نتنياهو يستطيع إزاحة المطالب التي طرحها عون، أو أن واشنطن ستتبنى تلقائيًا الموقف الإسرائيلي. فللإدارة الأميركية مصلحة في إنجاح الاتفاق الذي رعته وإظهار الجيش قادرًا على الانتشار ومنع تجدد الحرب. لكن هذه المصلحة نفسها قد تدفعها إلى اعتبار الانسحاب وسيلة لتوسيع سلطة الدولة، أو أداة لانتزاع خطوات أسرع من بيروت في ملف السلاح.
عندما يطلب لبنان من الولايات المتحدة الضغط على إسرائيل، فإنه يسلّم بأن ترجمة التفاهم تحتاج إلى قرار أميركي مستمر، لا إلى توقيع اتفاق فقط. وعندما يصل نتنياهو بعد أيام ليعرض تفسيره، يصبح أكثر قدرة على التأثير في الشروط التي قد يربط بها الأميركيون ضغطهم، وفي اللغة التي سيحملونها إلى الجولة المقبلة.
عندما يؤثر ملف إيران في لبنان
تتقدم إيران جدول لقاء ترمب ونتنياهو بحسب التصريحات الإسرائيلية، في ظل نقاش أميركي حول المسار العسكري والتفاوضي معها. لا تتوافر إشارة معلنة إلى أن لبنان سيكون بندًا مستقلًا، ولذلك لا يمكن التعامل مع حضوره على الطاولة بوصفه خبرًا مؤكدًا. لكن من المرجح أن تؤثر الخلاصة التي سيصل إليها الطرفان بشأن إيران في طريقة مقاربتهما لـ"حزب الله" والجنوب اللبناني.
قد يدفع نتنياهو نحو التعامل مع الحزب باعتباره جزءًا من البنية الإقليمية الإيرانية، لا قضية لبنانية يمكن تفكيكها بتسوية داخلية متدرجة. في هذه الحالة، تصبح كل خطوة إسرائيلية مرتبطة بما تعتبره تل أبيب تراجعًا ملموسًا في نفوذ إيران وقدرة الحزب، ويتحول الانسحاب من استحقاق مرتبط بسيادة لبنان إلى أداة تفاوض في مواجهة أوسع.
في المقابل، يحاول لبنان تثبيت معادلة مختلفة تقوم على خطوات متدرجة: تنسحب إسرائيل، ينتشر الجيش، وتستعيد الدولة سلطتها، بما يفتح الطريق أمام معالجة السلاح من داخل المؤسسات. الفارق جوهري بين الرؤيتين،فالمعادلة الإسرائيلية تجعل الأمن الإسرائيلي المرجع الذي يحدد توقيت الخطوات، بينما تنطلق المعادلة اللبنانية من أن استعادة السيادة شرط لتعزيز قدرة الدولة على تنفيذ التزاماتها.
أي مرجعية تحملها واشنطن إلى روما؟
مع ترقّب ما سيخرج به الموقف الأميركي بعد لقاء ترمب ونتنياهو، تتجه الأنظار إلى الجولة المقبلة من المحادثات اللبنانية الإسرائيلية، المقررة بوساطة أميركية في روما في الرابع من آب، بعد بدء تنفيذ خطة "المناطق التجريبية" وانسحاب القوات الإسرائيلية من زوطر الغربية وانتشار الجيش فيها. ولا يتعلق الاختبار هنا بمن يتقدم ميدانيًا أولًا، وإنما بالمرجعية السياسية التي ستستخدمها الوساطة الأميركية في إدارة التفاوض.
قد تظهر آثار لقاء نتنياهو وترمب في طبيعة المطالب التي يحملها الأميركيون، وفي التوازن بين الضغط على إسرائيل لاستكمال الانسحاب والضغط على لبنان لتسريع معالجة السلاح. فإذا دخلت واشنطن الجولة مطالبة بخطوات لبنانية إضافية قبل تثبيت مواعيد الانسحاب، فسيشير ذلك إلى أن الرواية الإسرائيلية اكتسبت وزنًا أكبر في تعريف الاتفاق بوصفه مسارًا أمنيًا مشروطًا. أما إذا دفعت واشنطن نحو جدول واضح للانسحاب الإسرائيلي، مقرون بآليات تحقق متوازنة، فسيعني ذلك أن المطلب الذي حمله عون حافظ على موقعه.
يمكن قراءة النتيجة في صياغة البيان، وترتيب الالتزامات، والجهة التي ستُطلب منها الخطوة الجديدة، وما إذا كانت "المناطق التجريبية" ستقود إلى انسحابات متتالية أم إلى مفاوضات إضافية حول كل رقعة. بهذه التفاصيل يُكتب الموقف الأميركي الفعلي، لا في العبارات العامة التي ترافق الزيارات.
من يكتب الحلّ؟
حصل عون على فرصة لعرض الرواية اللبنانية مباشرة أمام ترمب، في قلب البيت الأبيض، فشدّد على أنّ الاحتلال يعوق استعادة الدولة سيادتها، في حين أنّ الجيش يحتاج إلى الدعم والمساحة السياسية كي يثبت سلطته. في المقابل، يأتي نتنياهو اليوم ليعرض رواية مقابلة، مفادها أنّالانسحاب لا يمكن فصله عن ضمان أمن إسرائيل وتقليص قدرة "حزب الله" والنفوذ الإيراني.
بين الروايتين، تمتلك واشنطن سلطة الوسيط وقدرة الحليف في آن واحد. لذلك، لا تكمن المشكلة في أن ترمب يستمع إلى نتنياهو بعد عون، وإنما في الفارق الكبير بين قدرة الطرفين على تحويل روايتهما إلى سياسة أميركية عملية.
قد تكون جولة روما أول محطة يظهر فيها أيّ الروايتين اكتسبت وزنًا أكبر داخل واشنطن. عندها يتضح ما إذا كان لقاء عون قد وضع الانسحاب الإسرائيلي في مقدمة المسار، أم أن زيارة نتنياهو أعادت ترتيب الأولويات بحيث يصبح كل تقدم في الجنوب معلّقًا على شروط جديدة. لذلك، لا يتعلق السؤال قبل الرابع من آب بما وعد به ترمب كل زائر، بقدر ما يتعلق بمن نجح في إقناعه بتعريف المشكلة التي يُفترض أن تعالجها الوساطة الأميركية.