لفت وزير الماليّة ​ياسين جابر​، إلى أنّ "​لبنان​ يعيش منذ سنوات، واحدة من أعقد الأزمات الاقتصاديّة والماليّة في تاريخه الحديث. أزمة لم تكن مجرّد أزمة نقد أو مصارف أو ماليّة عامّة، بل أزمة ثقة أصابت الدّولة ومؤسّساتها، وانعكست على حياة المواطنين، وعلى قدرة الاقتصاد على النّمو؛ وعلى صورة لبنان أمام أشقّائه العرب وأصدقائه في العالم".

وأشار، في كلمته خلال لقاء حواري نظّمته جمعيّة خريجي "المقاصد" الإسلاميّة في بيروت، بعنوان: "الوضع الاقتصادي والمالي في لبنان بين الواقع والمرتجى"، إلى أنّ "لبنان لم يكد يبدأ بوضع الأسس الأولى لمسار التعافي، حتى جاءت الحرب الإسرائيليّة لتضيف إلى أزماته أعباء جديدةً، بعدما خلّفت دمارًا واسعًا في الجنوب اللّبناني، وأدّت إلى تهجير عشرات الآلاف من المواطنين من قراهم وبلداتهم، وإلحاق أضرار جسيمة بالمنازل والمؤسّسات والحقول والبنى التحتيّة والمرافق العامّة".

وركّز جابر على أنّ "ما أصاب الجنوب وبعض البقاع، ليس مجرّد خسائر مادّيّة يمكن تقديرها بالأرقام، بل هو جرح وطني وإنساني عميق، ستكون كلفة مداواته وإعادة إعمار ما تهدّم كبيرة جدًّا، وتتجاوز الإمكانات المتاحة للدّولة اللّبنانيّة، في ظلّ الظّروف الرّاهنة".

وشدّد على أنّ "من هنا، فإنّ إعادة الإعمار لن تكون مجرّد ورشة هندسيّة، بل ستكون اختبارًا لقدرة الدّولة على استعادة ثقة اللّبنانيّين أوّلًا، وثقة الأشقّاء العرب و​المجتمع الدولي​ ثانيًا، لأنّ أحدًا لن يساهم في إعادة البناء ما لم يطمئنّ إلى وجود مؤسّسات قادرة على إدارة الأموال بكفاءة وشفافيّة ومساءلة".

كما اعتبر أنّ "اليوم، ومع استمرار التوترات الإقليميّة والمواجهة بين إيران وإسرائيل، وما تفرضه من حالة عدم يقين على المنطقة بأسرها، ولا سيّما على ​دول الخليج العربي​ الّتي تشكّل العمق الاقتصادي الطبيعي للبنان، يصبح لزامًا علينا أن ندرك أنّ ​الاقتصاد اللبناني​ لا يعيش بمعزل عن محيطه، وأنّ أيّ اضطراب في المنطقة يترك انعكاساته المباشرة على الاستثمار والسّياحة والتجارة وحركة الرّساميل؛ وبالتالي على فرص التعافي".

وأكّد جابر أنّ "برغم قسوة المشهد، فإنّ التحدّي أمامنا هو عدم الاستسلام، ولا أن نلقي بأنفسنا في أحضان الانتماء إلى مدرسة اليأس. فلبنان الّذي استطاع أن ينهض بعد محطات صعبة في تاريخه، لا يزال يمتلك من الطاقات البشريّة والكفاءات والإمكانات ما يؤهّله لاستعادة مكانته، شرط أن نحسن إدارة هذه الإمكانات، وأن نبني دولةً قويّةً بمؤسّساتها، لا بأفرادها، وبقوانينها، لا بالاستثناءات".

وأضاف: "من هذا المنطلق، فإنّ الحكومة تنظر إلى الإصلاح بوصفه حاجةً وطنيّةً قبل أن يكون مطلبًا دوليًّا. فالإصلاح ليس استجابةً لضغوط الخارج، بل هو الطريق الوحيد لإنقاذ الدّاخل. إنّه الخيار الّذي يفرضه علينا واجبنا تجاه اللّبنانيّين، وتجاه الأجيال المقبلة، وتجاه وطن يستحق أن يستعيد دوره ومكانته".

وأوضح أنّ "في هذا التوجه، تأتي المفاوضات الّتي يجريها لبنان مع ​صندوق النقد الدولي​. وقد قلت مرارًا إنّني أنظر إلى صندوق النّقد كما ينظر المريض إلى الطبيب، فالطبيب لا يخلق المرض، ولا يفرضه، بل يشخّصه ويصف العلاج المناسب. وقد يكون العلاج صعبًا، لكنه يبقى الطريق نحو التعافي".

وذكر جابر أنّ "الاتفاق مع صندوق النّقد ليس هدفًا بحدّ ذاته، وليس إنجازًا سياسيًّا نسعى إليه لمجرّد توقيعه، وإنّما هو شهادة ثقة يحتاج إليها لبنان، ورسالة إلى المجتمع الدّولي، والدّول المانحة، والمؤسّسات الماليّة، والمستثمرين، بأنّ الدولة اللبنانية اختارت طريق الإصلاح الجدّي، وأنّها ملتزمة بالشّفافيّة والانضباط المالي والحوكمة الرّشيدة؛ وهي الشّروط الّتي تفتح الباب أمام استعادة الثّقة وعودة الاستثمارات والمساهمة في تمويل إعادة الإعمار وإطلاق عجلة النّمو".

وبيّن أنّ "أي رؤية للتعافي الاقتصادي، لا تكتمل من دون معالجة أوضاع ​القطاع المصرفي​، الّذي كان على مدى عقود أحد أعمدة الاقتصاد اللبناني. فالتجربة أثبتت ألّا اقتصاد سليمًا من دون نظام مصرفي سليم، ولا استثمار من دون مصارف قادرة على تمويل المبادرات الإنتاجيّة، ولا نمو مستدامًا من دون استعادة الثّقة بالقطاع المالي".

إلى ذلك، شدّد على أنّ "الإصلاح المصرفي ليس موجّهًا ضدّ أحد، ولا هو عمليّة محاسبة بقدر ما هو عمليّة إعادة بناء لقطاع يشكّل شريان الاقتصاد الوطني، على أسس جديدة تقوم على الحوكمة والملاءة والشّفافيّة والامتثال للمعايير الدّوليّة، بما يحفظ حقوق المودعين ويعيد للمصارف دورها الطبيعي في خدمة الاقتصاد الوطني وتمويل الاستثمار والإنتاج".

وتابع وزير الماليّة: "مسار الإصلاح الّذي نعتمده لا يقتصر على الجانب المصرفي، بل يشمل أيضًا تحديث الماليّة العامّة، تعزيز الإدارة الرّشيدة، ترسيخ مبادئ الشّفافيّة والمساءلة، وتطوير النظام الضريبي بما يحقّق العدالة والكفاءة في آن واحد؛ ويواكب متطلّبات الاقتصاد الحديث".

وأعلن أنّ "في هذا السّياق، تمضي وزارة المالية في تنفيذ برنامج متكامل للتحوّل الرّقمي، انطلاقًا من قناعة راسخة بأنّ الإدارة الحديثة هي المدخل الحقيقي لتعزيز الثّقة بين المواطن والدّولة"، موضحًا أنّ "​التحول الرقمي​ ليس مجرّد استخدام للتكنولوجيا، بل هو وسيلة لتبسيط الإجراءات، وتسريع إنجاز المعاملات، والحدّ من البيروقراطيّة، وتعزيز الشّفافيّة، وتكريس مبدأ المساواة بين المواطنين، بحيث يصبح القانون هو المرجعيّة الوحيدة؛ وتحلّ الأنظمة الحديثة محل الاجتهادات الشّخصيّة والوساطات".

وأشار إلى "أنّنا بدأنا هذا المسار بإطلاق وتطوير خدمات إلكترونيّة متتالية، وسنمضي فيه بثبات، لأنّنا نؤمن بأنّ الإدارة الّتي تواكب العصر، هي القادرة على خدمة المواطن، وجذب المستثمر، وحماية المال العام في آن معًا".

كما ركّز جابر على أنّ "ما نواجهه اليوم من تحدّيات، على قسوتها، لا يجب أن يحجب عنّا حقيقةً أساسيّةً، وهي أن لبنان لا يزال يمتلك مقوّمات النّهوض. فلدينا رأس مال بشري متميّز، وقطاع خاص أثبت قدرته على الابتكار والصمود، وانتشار لبناني في مختلف أنحاء العالم يشكّل جسرًا طبيعيًّا مع الاقتصادات العالميّة. كما أنّ علاقات لبنان التاريخيّة مع أشقّائه العرب، وفي طليعتهم دول الخليج العربي، تشكّل ركيزةً أساسيّةً لأي مشروع نهوض اقتصادي مستقبلي".

ولفت إلى "أنّنا من هنا، نتطلّع إلى أن تستعيد هذه العلاقات زخمها الكامل، وأن تعود الاستثمارات العربيّة إلى لبنان، وأن يشارك الأشقّاء، كما كانوا دائمًا، في ورشة إعادة البناء والتنمية. لكنّنا ندرك في الوقت نفسه أنّ الطريق إلى ذلك يمرّ عبر بناء دولة قويّة بمؤسّساتها، قادرة على إقناع العالم بأنّ لبنان دخل فعلًا مرحلةً جديدةً عنوانها الإصلاح والاستقرار والشّفافيّة".

ورأى أنّ "اللّبنانيّين قد يختلفون في السّياسة، وقد تتباين مقارباتهم للعديد من القضايا، لكنّني أعتقد أنّ هناك حقيقةً لم تعُد موضع خلاف، وهي أنّ إنقاذ الاقتصاد لم يعُد يحتمل التأجيل، وأنّ الإصلاح لم يعُد ترفًا، بل أصبح ضرورةً وطنيّةً؛ وأنّ الوقت حان لكي ننتقل من إدارة الأزمة إلى صناعة الحل".

وجزم جابر أنّ "مسؤوليّتنا، كدولة ومؤسّسات وقطاع خاص ومجتمع مدني، أن نعيد بناء الثّقة، لأنّها الاستثمار الأوّل الّذي يحتاج إليه لبنان اليوم. ثقة المواطن بدولته، واستعادة ثقة المودع بنظامه المصرفي، وثقة المستثمر باقتصاده، وثقة الأشقّاء العرب بلبنان، وثقة المجتمع الدّولي بجدّيّة الإصلاحات الّتي نقوم بها".

واعتبر أنّ "لبنان، رغم كلّ ما مرّ به، لم يفقد قدرته على النّهوض، بل يحتاج إلى أن يستعيد ثقته بنفسه، وأن يؤمن أبناؤه بأنّ مستقبلهم لا يُبنى بالهجرة واليأس، وإنّما بالمشاركة في إعادة بناء دولتهم"، خاتمًا: "أنا على يقين بأنّ اللّبنانيّين، الّذين صنعوا قصص نجاح في كلّ أنحاء العالم، قادرون على صناعة قصة نجاح جديدة في وطنهم، إذا توافرت لهم الدّولة الّتي يستحقّونها، والإدارة الّتي يطمحون إليها، والاقتصاد الّذي يفتح أمامهم آفاق المستقبل".