تشهد النُظُم التربويَّة المعاصرة إعادة نظَر جذريَّة في مفاهيم التعليم والتعلُّم، فرضَتْها التحوُّلاتُ التكنولوجيَّةُ والمعرفيَّةُ المتسارعة وتطوُّرُ أبحاث العلوم الإنسانيَّة والعصبيَّة. وفي هذا السياق، يأتي المنهاجُ الوطنيُّ اللبنانيُّ الجديد للتعليم العامِّ ما قبل الجامعيِّ (المرسوم رقم 3445، تاريخ 15 تمُّوز 2026) ليمثِّلَ محطَّةً مفصليَّة ونقلةً نوعيَّة في تاريخ التربية في لبنان؛ إذ ينصُّ صراحةً على الاستنادِ إلى «ما توصَّلت إليه العلوم الإنسانيَّة والتربويَّة حول التعليم والتعلُّم في العصر الحديث»، مُتبنِّيًا خيارًا استراتيجيًّا يتجاوز نموذج «التلقين والمراكمة المعرفيَّة» إلى نموذج «بناء الكفايات والتفكُّر النشط».
إنَّ هذا المرسوم لا يقتصر على إدخال تعديلات شكليَّة أو تنظيميَّة، بل يستند إلى مرجعيَّة نظريَّة صلبة تتشابكُ فيها خمسُ نظريَّاتٍ تربويَّة حديثة لتشكِّل الركائزَ الأساسيَّة للرؤيةِ التعليميَّة الجديدة.
1. النظريَّة البنائيَّةُ الاجتماعيَّة: التعلُّم عبر التفاعل والوضعيَّة المشكلة
تُعتبر النظريَّة البنائيَّة الاجتماعيَّة (Social Constructivism)، الَّتي وضع أسسها الفيلسوف والعالم النفسيُّ الروسيُّ ليف فيغوتسكي (Lev Vygotsky) في عشرينيَّات وثلاثينيَّات القرن العشرين واكتملت مع أبحاث التربية المعرفيَّة الحديثة، المحرِّكَ الأساسيَّ لمفهوم «المقاربة بالكفايات».
ينطلق مبدؤها الأساسيُّ من أنَّ التعلُّم ليس عمليَّة نقل سلبيَّة للمعرفة من المعلِّم إلى المتعلِّم (العدوان و داود، 2016، صفحة 55)، بل هو بناء نشط للمعرفة يتحقَّق من خلال التفاعل الاجتماعيِّ والبيئيِّ (العدوان و داود، 2016، صفحة 36). ويتجلَّى هذا الطرح في المنهاج اللبنانيِّ الجديد من خلال المادَّة الثانية من المرسوم، الَّتي تعرِّفُ الكفاية صراحةً بوصفها قدرة المتعلِّم على حلِّ «وضعيَّة-مسألة مركَّبة» (Complex Problem-Situation) عبر الإدماج بين موارده الداخليَّة (معارف، مهارات، مواقف) والموارد الخارجيَّة المتاحة كالتقنيَّات والأقران. كما تنعكس هذه النظريَّة في اعتماد الوحدة التعلُّميَّة البين-تخصُّصيَّة الَّتي تضع المتعلِّم في موقع الاستكشاف والبحث التشاركيِّ بدلًا من التلقِّي الفرديِّ السلبيِّ.
2. النظريَّة الاتِّصاليَّة: التربية في العصر الرقميِّ واستثمار الشبكات
لمواكبة التغيُّرات التكنولوجيَّة المتسارعة، استدعى المنهاج أحدث النظريَّات التربويَّة المصمَّمة لـ «العصر الرقميِّ»، وهي نظريَّة الاتِّصاليَّة (Connectivism) الَّتي طوَّرَها المفكِّران جورج سيمنز (George Siemens) وستيفن داونز (Stephen Downes) في العام 2005.
تقوم الاتِّصالية على مبدأ أنَّ المعرفة لم تعد مخزَّنة داخل ذاكرة الفرد فحسب، بل أصبحت ممتدَّة عبر شبكات من المعلومات والأجهزة والأشخاص. وبناءً عليه، أضحت القدرة على البحث والتوصيل بين المصادر الرقميَّة وتقييمها، كفايةَ تعلُّم قائمةً بذاتها (Siemens, 2005, pp. 5-6). ويظهر هذا البعد بوضوح في المنهاج اللبنانيِّ من خلال إفراد «الكفاية الرقميَّة» كإحدى الكفايات التسع الأساسيَّة المستعرضة، وإدراج «ميدان التقانة والمهن» ضمن البنية المعرفيَّة، إضافة إلى اعتماد استخدام الموارد الرقميَّة والمنشورات الخارجيَّة كعنصر مدمج في حلِّ المشكلات والمهامِّ التعلُّميَّة.
3. نظريَّة الذكاءات المتعدِّدة: تنوُّع القدرات وشموليَّة الميادين
كاد النموذج التربويُّ التقليديُّ يختزل الذكاء البشريَّ في المهارات اللغويَّة والمنطقيَّة/الرياضيَّة. وجاء المنهاج الجديد ليكسر هذه النظرة الضيِّقة باستناده إلى نظريَّة الذكاءات المتعدِّدة (Theory of Multiple Intelligences) الَّتي صاغها عالم النفس الأميركيُّ هوارد غاردنر (Howard Gardner) في العام 1983 في جامعة هارفارد.
تؤكِّد هذه النظريَّة أنَّ كلَّ متعلِّم يمتلك بروفايلًا فريدًا من القدرات والذكاءات (لغويَّة، حركيَّة، موسيقيَّة، اجتماعيَّة، ذاتيَّة، بيئيَّة، إلخ...)، ما يفرض على التربية توفير فرص متكافئة لتنمية كافَّة هذه الأبعاد (I.M., November 2023, p. 85). انعكس هذا الفكر في المنهاج اللبنانيِّ عبر هيكلة المحتوى التعلُّميِّ ضمن ثمانية ميادين معرفيَّة متنوِّعة تنطوي على الفنون، الرياضة والصحَّة، العلوم، اللغات، والتكنولوجيا، فضلًا عن النصِّ الصريح في المادَّة 13 على ضرورة «الاعتراف بقدرات المتعلِّمين واستراتيجيَّاتهم المعرفيَّة والانفعاليَّة والاجتماعيَّة».
4. التربية الدامجة والتصميم الشامل للتعلُّم: العدالة والإنصاف
في إطار ضمان حقِّ الجميع في تعلُّم جيِّد ودون تمييز، استوحى المنهاج مرجعيَّته من أبحاث علم الأعصاب التربويِّ بمركز (CAST) في التسعينيَّات، والَّتي أثمرت نظريَّة التصميم الشامل للتعلُّم (Universal Design for Learning - UDL) ومبادئ التربيَّة الدامجة.
يقوم هذا التوجُّه على إزالة العوائق البيئيَّة والمنهجيَّة أمام المتعلِّمين الَّذين يواجهون صعوبات تعلُّميَّة أو احتياجات خاصَّة بدلًا من وضع المشكلة في الطالب نفسه، وذلك عبر تقديم وسائط متعدِّدة للتمثيل والتعبير والمشاركة (Priyadharsini & Mary, 2024, pp. 145-147). وتتجسَّد هذه الفلسفة في أهداف المنهاج الَّتي تشدِّد على «توفير تعليم منصف وتربية دامجة»، واستبدال فلسفة الرسوب التقليديِّ بنظام «الترفيع الميسّر/المعياريِّ» المدعوم ببرامج الدعم التربويِّ الموجَّه والتخصُّصيِّ للتعامل مع الفجوات التعلُّميَّة.
5. نظريَّة التقويم التكوينيِّ والتقويم من أجل التعلُّم: التقييم كأداة للتطوير
ختامًا، ينعكس التحوُّل المنهجيُّ في إعادة تعريف أهداف العمليَّة التقييميَّة استنادًا إلى نظريَّة التقويم التكوينيِّ والتقويم من أجل التعلُّم (Assessment for Learning - AfL)، الَّتي طوَّرها الباحثان بول بليك (Paul Black) وديلان ويليام (Dylan Wiliam) في العام 1998.
تنتقل هذه النظريَّة بالتقويم من مجرَّد أداة لإصدار أحكام تقريريَّة وختاميَّة لفرز الطلَّاب، إلى سيرورة تشخيصيَّة مستمرَّة قائمة على التغذية الراجعة (Feedback)، والتقويم الذاتيِّ، وتقويم الأقران، بهدف تحسين التعلُّم وتكييف التدريس (Black & Wiliam, 1998 (October), pp. 2,7,8). وتبرز هذه السياسة في المادَّتين 13 و14 من المرسوم اللبنانيِّ اللتين تؤكِّدان على «التقويم الداعم للتعلُّم»، وإعادة توزيع أوزان العلامات عبر دمج نتائج التقويم المدرسيِّ المستمرِّ بنسب رسميَّة (23% في شهادة نهاية التعليم الأساسيِّ، و20% في الشهادة الثانويَّة) مع امتحانات التقويم الرسميِّ.
وعلى الرغم ممَّا يستند إليه المنهاجُ الوطنيُّ الجديد، فإنَّ الرهان الحقيقيَّ للاعتلاء بهذه الرؤية من القوَّة إلى الفعل يظلُّ مشروطًا بتجاوز الفجوة التاريخيَّة بين المنهج المكتوب والمنهج المطبَّق. إنَّ انتقال الميدان التربويِّ اللبنانيِّ نحو المقاربة بالكفايات والاتِّصاليَّة والتصميم الشامل يتطلَّب سياسة تمكين شاملة ترتكز على إعادة تأهيل مستمرَّة للهيئات التعليميَّة، وتوفير بنية تحتيَّة رقميَّة دامجة تضمن تكافؤ الفرص بين كافَّة المناطق والقطاعات، فضلًا عن حماية المقاربة بالكفايات من الانزلاق نحو الإجرائيَّة الشكليَّة على حساب العمق المعرفيِّ والتفكير الناقد المستقلِّ.
إنَّ المنهاج الوطنيَّ اللبنانيَّ الجديد (المرسوم 3445) يمثِّل منظومة تربويَّة متكاملة لا تنفصل فيها الأهداف عن آليَّات التطبيق. فمن خلال الرابط العضويِّ بين البنائيَّة الاجتماعيَّة، والاتِّصاليَّة، والذكاءات المتعدِّدة، والتصميم الشامل للتعلُّم، والتقويم من أجل التعلُّم؛ ينتقل المنهج بالتعليم من إطاره النظريِّ إلى بيئة عمليَّة تضع المتعلِّم في مركز العمليَّة التعليميَّة التعلُّميَّة. وبذلك، يتحوَّل الزمن التربويُّ والمستويات المنهجيَّة إلى مسار ديناميٍّ يهدف إلى بناء مواطن حرِّ التفكير، مبدع، ملتزم اجتماعيًّا، وقادر على مواكبة متطلِّبات العصر الحديث بثقة واقتدار.
*(دكتوراه في التربية)
المراجع:
Black, P., & Wiliam, D. (1998 (October)). Inside the Black Box: Raising Standards Through Classroom Assessment. Phi Delta Kappan, 80(2).
I.M., M. (November 2023). Gardner's Theory Of Multiple Intelligences In The Learning Process. (pp. 85-88). https://doi.org/10.30888/2709-2267.2023-21-01-002.
Priyadharsini, V., & Mary, R. (2024, April). Universal Design for Learning (UDL) in Inclusive Education: Accelerating Learning for All. Shanlax International Journal of Arts, Science and Humanities, 11(4), 145-150.
Siemens, G. (2005, يناير). Connectivism: A Learning Theory for the Digital Age. International Journal of Instructional Technology and Distance Learning (ITDL). Retrieved from http://www.itdl.org/Journal/Jan_05/article01.htm
د. زيد سليمان العدوان، و د. أحمد عيسى داود. (2016). النظريَّة البنائيَّة الاجتماعيَّة وتطبيقاتها في التدريس (الإصدار الطبعة الأولى). عمَّان، دبيّ: مركز ديبونو لتعليم التفكير.