يعيش الواحد منّا قرب الآخر وفي حيادٍ عنه. نغرق في خِضمّ هذا العالم الرقميّ المستجدّ، ونراقب ما يدور من لقاءات وأحاديث. يعلو الصوت ونستبق الكلام والأحداث ونقفز إلى الاستنتاجات. معظم نقاشاتنا الدائرة، إن على مِنَصَّات التواصل الإجتماعيّ أو في لقاءات الشبيبة والعائلات أو أيّ مناسبة، غالبًا ما تتحوّل إلى صراعات مبنيّة على عدم القدرة على التعبير الصحيح والصريح أو الصَمَم في مواجهة الرأي الآخر أو اللامبالاة في كثير من الأحيان. في العلاقات الأُسَرِيَّة، يبدأ الزواج بمحبّة مفرطة وينتهي بعدم القدرة على الإحتمال أو النقاش أو سماع الآخر. الحالة ذاتها أيضًا تتكرّر في الكنيسة حيث يسود الرأي الواحد وتُبَادُ القدرة على التعبير وتَنسَدُّ الآذان عن السماع خوفًا أو يأسًا أو تَجبُّرًا. وفي جميع الأحوال تنتهي هذه "الحوارات على زَعَل" أو بحدّ أدنى سوء فهم للآخر. عمق المشكلة هو عدم القدرة على الإصغاء. في الحقيقة بدأنا نفقد القدرة على الإصغاء وبدأت العزلة تأخذ منحًى رَقميًّا من دون أيّ نيّة في الفهم أو الإلتقاء بالآخر. عن جميع ما تقدّم، الحلّ ينبع بشكل رئيسيّ ويبتدئ بالإصغاء وبالأبوّة الروحيّة (راجع المقالة السابقة). أمّا اليوم، فالكلام سيكون عن الإصغاء كحاجة وكعلاج للعائلة وللكنيسة وللمجتمع عامّةً.
1- ما هو الإصغاء؟
” الإصغاء هو عمل حاسم في قواعد التواصل وشرط لحوار حقيقي “ . هو القدرة على فهم الآخر من موقعه ومن إحساسه ومن عمق كيانه. وهي نعمة من لدنه تعالى حيث نسمع صدى هذه الحاسّة منذ البدء: "إسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا، الرب واحد" . "إنّه الإنسان الحاضر للآخر بأُذُنَين مفتوحتَين صَامِتَتَين عاريتين" . عندما يُصغي الإنسان يُفسح المجال أولًا للآخر بالكلام عن رضى وطيبة خاطر. يسمع إليه ويعطيه وقتًا للتعبير عن وجهة نظره أو مشاعره أو للتعبير عمَّا حصل معه. وهذا الأمر يجب أن يكون متبادلًا وإلّا ندخل في مونولوج (monologue) أيّ الحديث الفرديّ. لكنّ الإصغاء هو غير السَّماع. أن أسمع يعني أن لا أتبنى وجهة نظر الآخر مع الحفاظ على المسافة النفسيّة والأخلاقيّة والروحيّة منه. فقط أسمع ما يقولُهُ أدَبًا وفي أحيانًا كثيرة أنتظر أن ينتهي من كلامه لكيّ أنقُضَ كلامه وأنقَضَّ عليه دون شفقة. في الإصغاء أعيش في قلب الإنسان وأسمع دقات قلبه واختلاجات أفكاره وأسير معه كلّ المسافة لكيّ أفهم وأشعر وأشفي. هذه هي "قدرة القلب التي تجعل القرب بين الناس ممكنًا" . وفي جميع الأحوال "من لا يعرف أن يصغي إلى أخيه، سيفقد سريعًا المقدرة على الإصغاء إلى الله" .
2- أهميّة الإصغاء
الإصغاء، في الكتاب المقدّس، هو الأمانة لوصايا الله وهو استجابة محبّة له حيث يربط بين السَمع والعمل. في حياتنا اليوميّة يتطلب تمييز صوت الله إصغاءً وصمتًا داخليًّا وخارجيًّا وقلبًا جيّدًا يُصغي إلى كلمة الله ويحفظها على مثال والدة الإله (لو 2/ 19). الإصغاء يُعيد الرجاء عبر تحويل الكلمة إلى لقاء كما حدَثَ مع تِلميذَي عِمَّاوس (لو 24/ 13 – 35). في عصرنا الرقميّ تعلو قيمة الاستماع لأنّ فيه تواصل ومحبّة. يقول القدّيس أوغسطينوس: "لا تكُن قلوبكم في آذانكم بل لتكُن آذانكم في قلوبكم" . عندما نلتقي، أولًا علينا أن نعير الإهتمام إلى الآخر عبر سماعنا لكلمته ونقاشه لرأيه بتمعُّن وعناية. لأن الإنصات يبني الثقة بين البشر ويعبّر عن احترام كامل لهذا المخلوق على صورة الله. هنا تبدأ مرحلة كشف الذات والقلوب للأزواج، للعائلات، في الكنيسة، الرعيّة، الأبرشيّة، الرهبانيّة... كل إنسان يكشف عن نفسه عندما يرى في الآخر القدرة على السماع واحترام الرأي والمشاعر. والعكس صحيح، أيّ تبدأ مرحلة "الأقنعة والمسرحيّات" عند انعدام الثقة والإصغاء. السماع يريح الآخر من معاناته ويمشي معه مسافة الشفاء والعلاج ويلتقي بالله وبالقريب. لا نخسر شيئًا إذا أعرنا أُذننا للآخر ضمن حدود الإمكانيّات والظروف والطاقات النفسيّة والروحيّة. وأنا أدعو إلى جلسة إصغاء ومصارحة، في كل المجتمعات الصغيرة والكبيرة، لكي نقف على ما نحبّ وما لا نحبّ في "القريب" لكن بهدوء ومحبّة واحترام بعيدًا عن أيّ مواجهة.
3- فاعليّة الإصغاء في عائلاتنا وكنيستنا
"الروح القدس هو الذي يدفع بالإنسان من الداخل إلى العمل الصالح" . "هناك الكلمة الطيبة والسيئة، الكلمة المتهجّمة والرقيقة، العفوية والصادرة عن تفكير، المـُهمّة والنافلة، الحاضرة في الذهن والمنسيّة. هناك الكلمة التي تعبّر عن الشخص، والكلمة التي يختبئ من ورائها. هناك كلمات تعبّر عن التسلّط وتشقّ مسافة البعد، وهناك كلمات تُهدي المودّة وتقيم الاتّصال والتفاهم. وبالإمكان المضيّ في هذا التعداد إلى ما لا نهاية له" . هذه الكلمات هي تعبير القريب عمّا يجول في داخله ودورُنا أن نُفسِح له المجال للتعبير حينها نشرع في "التواصل". "الكلام تُشرَّع به نوافذ الباحة الباطنة للشخص، وينكشف أعمق الكيان نحو الخارج ليتخلّل الآخر ويهبه اشتراكًا في حياته الخاصّة، بل هناك أبعد من ذلك: إنّه حين يردّ الآخر بالجواب، يكتسب هو شركةً في حياة هذا الآخر. إنّ الكلام هو إذن تلك القيمة المليئة بالمخبّآت التي بها يستطيع الشخص أن يقيم مع الآخر تبادلًا يجري من قلبٍ إلى قلب" . تقنيًّا، يقول القدّيس أوغسطينوس في مقطع جميل: "متى أردتُ أن أخاطبك، أفكّر كيف يمكن أن يبلغ إلى قلبك ما يكمن في قلبي. وحين أحاول أن أوصل إليك وأضع في قلبك ما هو كامن في قلبي، أستعمل الكلمة وهكذا أخاطبك. إنّ نبرة الصوت توصل إليك محتوى الكلام، ولكن نبرة الصوت تتلاشَى بعد أن تكون قد أوصلت إليك محتوى الكلام. ولكنّ الكلام، الذي أبلغه إليك الصوت، موجود الآن في قلبك، دون أن يغادر قلبي" . ما يعني أنّ الإصغاء مرتبط بنوعيّة الكلام المنطوق به وكيفيّة إيصاله إلى المتلقّي حتى تكون الصورة واضحة. من هنا أهميّة الاستفسار عن الكلمات أو الأفكار المبهمة لكي نكشف خفيّات القلب والأفكار التي لا يُنطَقُ بِها لكي تُكشف، وتحدّد المشكلة. ومتى أصبحت تحت الضوء يبدأ الشفاء وتَخفُت المـُعاناة. هذا الأمر، من نوعيّة الكلام وطريقة التعبير، أصبح مادّةً عِلميّة تُدرّس. وفي عائلاتنا وكنائسنا ومنذ الصِغَر علينا أن نكتسبَهُ. أمّا "تخصيص قسط من وقتنا مجانًا للإصغاء إلى الآخرين هو أوّل عمل محبّة" . وأعتقد أنّه، في عصرنا المتسارع نحو الإنعزال الرقميّ والوجوديّ، من أكبر أعمال المحبّة. أيضًا وإضافةً إلى السماع وتخصيص الوقت للنظر إلى العيون وإعطاء الآخر هذا الإحساس بأنِّي مهتم حقيقةً بما تقول. أذكر مرّةً كُنتُ في لقاء مع أحد الأشخاص الذين كان من المفترض أن يكون خبيرًا في هذا المجال وكنت أتحدّث له عن مشكلة ما تخصّني. نظرت إلى وجهه فإذا به كأنّه متيّبِس دون أي شعور أو ملامح تُوحي بأيّ شيء. كأنّه غير مهتم أو غير فاهم لما أعاني منه وأنّه مضطر لإعطائي هذا الوقت من السماع انسجامًا مع ما تعلّمه في الجامعة. أدركت أنِّي مع الشخص الخطأ، ولم أُطِل الحديث وغادرت دون أيّ نيّة في العودة. "الجمرة لا تحرق إلّا محلّها" كما يقول المثل الشعبيّ لذا علينا أن نبذل جهدًا مضاعفًا لكي نفهم ونتفهّم معاناة ومشاكل وآلام الناس.
4- خاتمة
"إن الإنسان يقول لله : تكلّم حتى أراك. وهذه الرغبة تمت في الخليقة، التي هي مخاطبة الخلائق بواسطة الخلائق" ، مخاطبةً يُشرع الله فيها أبوابه ويعطف على الإنسان. وعندما يتكلّم الله مع البشريّة والخلائق فهي تُنصِت وتصغي. إلّا أنّ الكلمة والسمع وجهان للإنسان المتألِّه والذي يرى في البشرية مجد الله ويسعى إلى أن تكون "حياة الإنسان هي رؤية الله" . إنّها ثقافة جديدة علينا أن ندركها قبل الأوان لئلا ندان على تقصيرنا. السماع يأتي من وعينا أنّنا تلاميذ للسيّد الربّ ونحن رسل محبته ورجائه في العالم. كشف الإنسان لنفسه أمام إنسانٍ آخر مصغٍ محبّ متفهّم يمنح القدرة على الشفاء والتعافي. إنّه عمل رحمة بامتياز وعنصرةٌ جديدة. أمّا الإنغلاق واللامبالاة فهي أول الخطوات نحو الإنتحار المعنويّ والنفسيّ والجسديّ. علينا أن ننتبه إلى أنّه "ليس هناك من إصغاء مُحايد. بل إصغاء يُفضي إلى إدراكٍ عميق" . لأنّ الإصغاء هو حضور من أجل الآخر بالعين واليد والمشاعر. بالنسبة لفوائد الإصغاء في العوائل، فهو يقلّل من الخلافات عن طريق الاستماع الهادئ ويبني الثقة بتكوين شعور الأبناء بالأمان للحديث عن مخاوفهم. وأخيرًا وليس آخرًا، يدعم الصحة النفسيّة بتفريغ الضغوط اليوميّة ومَنع الاكتئاب والقلق.























































