أشار البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، خلال ترؤّسه قدّاس الشّكر بمناسبة إعلان تطويب البطريرك الياس الحويك، في مقرّ الرّئاسة العامّة لراهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، ضريح الطوباوي البطريرك الياس الحويّك في عبرين، إلى أنّ "أنتم ملح الأرض... أنتم نور العالم" (متّى 5: 13- 14). بهاتين الكلمتَين، يحدّد الرّبّ يسوع هويّة ورسالة كلّ مؤمن ومؤمنة، وهما أن يكون الإنسان المؤمن ملحًا يُعطي نكهةً ويحفظ من الفساد، ونورًا لا يعيش لنفسه بل يضيء الطريق للآخرين".
ولفت إلى أنّ "بهذه الهويّة والرّسالة، تميّزت كلّ حياة الطوباوي الجديد مار الياس بطرس الحويّك، الّذي نلتقي قرب ضريحه في دير العائلة المقدّسة في بلدة عبرين العزيزة، لنحتفل معًا بقداس الشّكر لله على النّعمة الّتي قدّست هذا الطوباوي في كلّ محطات حياته"، مركّزًا على أنّه "أنتم ملح الأرض… أنتم نور العالم" (متى 5: 13 – 14). ليست هذه الكلمة في ضمير الكنيسة وحدها، بل في ضمير الوطن أيضًا. فما أحوج لبنان اليوم إلى أن يستعيد ملحه ونوره: ملح القيم الّتي تحفظ الدّولة من الفساد والتفكّك، ونور الحقيقة الّذي يبدّد الالتباس ويعيد وضوح الطريق".
واعتبر البطريرك الرّاعي "أنّنا في حضرة البطريرك الحويّك، لا نستطيع أن نفصل القداسة عن لبنان. فهذا الرّجل اتكل على العناية الإلهيّة، لكنّه لم ينتظر العناية مكتوف اليدين، بل صلّى وعمل، آمن وتحرّك، وثق بالله وتحمّل مسؤوليّته. ومن هذا الإيمان خرجت أعمال وإنجازات، ومن هذه الرّؤية خرج وطن اسمه لبنان".
وأوضح أنّ "هنا تكمن رسالة المسؤول الوطني: أن يكون مِلحًا يحفظ المؤسّسة الّتي اؤتمن عليها من الفساد، وأن يصون المال العام، ويحترم القانون، ويضع كرامة المواطن فوق المصالح. وأن يكون نورًا يقول الحقيقة، ويتحمّل مسؤوليّة القرار، ويمارس السّلطة كخدمة لا كامتياز".
وأكّد "أنّنا نحتاج هذا الملح في الإدارة والقضاء والمؤسّسات، وفي التربية والاقتصاد والمجتمع. ونحتاج هذا النّور في القرار الوطني، وفي ممارسة المسؤوليّة، وفي كلّ موقع يُصنع فيه مستقبل اللّبنانيّين. فالدّولة تستعيد هيبتها بمؤسّسات تعمل، والعدالة بقضاء يقوم بواجبه، والثّقة بأفعال تسبق الوعود".
كما ذكر الرّاعي أنّه "قد قيل الكثير عن سيرة الطوباوي الجديد، لكنّنا نودّ اختصارها بهذه الأوصاف: كان رجل الله، إذ جعل المشيئة الإلهيّة فوق مشيئته. وكان رجل العناية، إذ وثق بالله في أصعب الظّروف من دون أن يتخلّى عن مسؤوليّته. وكان رجل الرّؤية، إذ رأى في التربية بناءً للإنسان، وفي الخدمة بناءً للمجتمع. وكان رجل الوطن، إذ فهم أنّ محبّة لبنان لا تكون بالشّعارات، بل بالتضحية والعمل والدّفاع عن كرامة شعبه".
وأضاف: "لكنّنا نتوقّف عند إنجازَين كبيرَين: تأسيس جمعيّة راهبات العائلة المقدسة المارونيات، وعرّاب لبنان الكبير الّذي انتزعه من مؤتمر الصلح في فرساي سنة 1919"، مبيّنًا أنّ "بتأسيسه جمعيّة راهبات العائلة المقدّسة المارونيّات، أرادها الطوباوي البطريرك الياس بطرس الحويّك "ملحًا للأرض ونورًا للعالم"، بغاياتها الثلاث: الرّوحيّة والاجتماعيّة والوطنيّة".
وأفاد بأنّ "مراسلاته المتواصلة والقوانين الّتي وضعها مع الرّاهبات المؤسِّسات، تكشف لنا هويّة الجمعيّة وروحانيّتها وموهبتها الخاصة. فمنذ بداية حياته الكهنوتيّة، راودته فكرة تأسيس جمعيّة رهبانيّة نسائيّة مارونيّة، مخصَّصة لمدارس القرى المتواضعة وتربية الفتيات، كأساس للعائلة، لاقتناعه العميق بأهميّة العائلة في بناء المجتمع والوطن، وبأهميّة تحصين كليهما بمؤسّسات تلتزم بزرع القيم العائليّة الصحيحة بين المواطنين".
وأشار الرّاعي إلى أنّ "المؤسّس أرادها على اسم العائلة المقدّسة، مؤمنًا بأنّ قداسة هذا الاسم تدفع بالرّاهبات إلى التمثّل بالعائلة المقدّسة في النّاصرة، وعيش فضائلها ونشرها بين العائلات. تلك كانت موهبة الجمعيّة ذات أسبقيّة الشّأن الرّوحي والقداسة بالتحديد، لا سيّما وأنّها تتعهّد تربية الأحداث من البنات اللّواتي هنّ طبعًا تحت حماية تلك العائلة المقدّسة، مثال كل عائلة مسيحيّة".
وشدّد على أنّه "على الرّغم من كون الطوباوي الحويّك المؤسّس الفعلي، بمساعدة الأم روزالي نصر سنة 1895، فإنّه لا ينفكّ يَعتبر أنّ الله هو المؤسّس الحقيقي للجمعيذة، ويحدّد دور الله في هذا التأسيس، واستمرار الجمعيّة، وإشراقها. وكان يقول: "إن الله قد أنشأ هذه الجمعية العزيزة بعنايته ورحمته".
وتابع: "بالنّسبة إلى لبنان الكبير، فمن بعد أن ناضل الطوباوي مار الياس بطرس الحويّك، وانتزع كيان لبنان الكبير، دولةً مستقلّةً ذات حدود طبيعيّة، وعمل داخليًّا على صمود هذا الكيان، بنضال من أوّل أيلول 1920 حتى وفاته في 24 كانون الأوّل 1931، وجّه منشورًا سنة 1930 بعنوان "محبّة الوطن". وقد استهلّه بأنّ للإنسان وطنَين: وطن الأرض ووطن السماء. فالله يريدنا أن نحبّ وطننا الأرضي، منتظرين الوصول بعد هذه الحياة إلى الوطن السّماوي السّعيد والثّابت".
ولفت الرّاعي إلى أنّ "البطريرك يتوقّف عند دواعي محبّة الوطن فيقول: محبّة الوطن طبيعيّة، من تعرّى منها أصبح مسخًا ممقوتًا من الجميع، لأنّه في محبّته لوطنه محبّته لذاته. محبّة الوطن لأنّه يقدّم لنا كلّ ما يلزم للحياة بنظامه الطبيعي، محبّة الوطن لأنّ بمناخه تأثيرًا على العقل والنّبوغ، محبّة الوطن لأنّ اللّغة الّتي تلفّظنا بها على صدور أمهاتنا، بها عرفنا الله ورفعنا أناشيد المحبّة إلى السّماء. محبّة الوطن لأنّه يقدّم لنا أمثلة أجدادنا، وهي خير مساعد لنا على الرّقي والصلاح. محبّة الوطن لأنّ هيئته الحاكمة تحميه بقواها المسلّحة، وتنظّمه بشرائعها، وتنمّي فيه الحياة الاقتصاديّة بسعيها ومساعداتها".
من جهة ثانية، ركّز على أنّ "اليوم أوّل آب، يحتفل الجيش اللبناني بعيده. وهو عيد لكلّ لبنان، والمؤسّسة العسكريّة تمثّل نقطة لقاء وطنيّة بين اللّبنانيّين. ومن عبرين، وفي قدّاس الشذكر هذا، نتوجّه بتحيّة وفاء واعتزاز ومعايدة إلى جيشنا اللّبناني، قيادةً وضبّاطًا ورتباء وأفرادًا، وإلى شهدائه وجرحاه وعائلاتهم".
وأكّد أنّ "جيشنا كرامتنا وعزّنا، به نكبر ونعتز. هو سياج الوطن، وحارس الأرض، وضمانة الاستقرار، والمؤسّسة الّتي نريدها دائمًا قويّةً، موحّدةً، وقادرةً على القيام برسالتها الوطنيّة. وفي عيده، نصلّي من أجل كلّ عسكري يقف في موقعه حاملًا لبنان في قلبه، ساهرًا على أمن شعبه".
وشدّد الرّاعي على أنّ "الوطن الّذي آمن به الحويّك، يحتاج اليوم إلى دولة قويّة بمؤسّساتها، وإلى جيش قوي بوحدته وعقيدته الوطنيّة، وإلى مواطن قوي بإيمانه بوطنه"، خاتمًا: "لقد عرف الحويّك زمنًا لم يكن أقلّ قسوة من زمننا، ومع ذلك لم يستسلم. لم يقل إنّ لبنان انتهى، بل آمن به وعمل من أجله. هذا هو الدّرس الّذي نحتاج إليه اليوم: لا نيأس من وطن أعطى أمثال الحويّك".
































