لم تعد الحروب الحديثة تُقاس بعدد الصواريخ التي تُطلق أو مساحة الأراضي التي تتبدل السيطرة عليها، بل باتت تُقاس أيضًا بحجم الفاتورة الاقتصادية التي تتركها على الدول والمجتمعات. فمع استمرار الحرب في أوكرانيا، والحرب في غزة، والتصعيد بين الولايات المتحدة وإيران، تحولت الجبهات العسكرية إلى عامل ضغط مباشر على الاقتصاد العالمي، من خلال ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وتقلب أسعار الطاقة، واضطراب حركة التجارة البحرية، وتزايد أعباء الدين العام. ويحذر خبراء اقتصاديون ومؤسسات دولية من أن استمرار هذه الصراعات قد يفرض كلفة تمتد لسنوات، حتى لو توقفت العمليات العسكرية.
وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن الكلفة المباشرة التي تحملتها الولايات المتحدة نتيجة الدعم العسكري لأوكرانيا، والمساعدات المقدمة لإسرائيل، والعمليات المرتبطة بالمواجهة مع إيران، ضخمة، وترتفع الكلفة الفعلية عند احتساب رعاية المحاربين القدامى وخدمة الدين العام. وفي الوقت نفسه، أدى التوتر في الشرق الأوسط إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة كلفة الشحن البحري وأقساط التأمين، ما انعكس على أسعار السلع وسلاسل الإمداد العالمية. كما أن تمويل جانب كبير من هذا الإنفاق عبر الاقتراض يزيد الضغوط على العجز المالي والدين العام، في وقت تتوقع فيه مؤسسات دولية استمرار الضغوط التضخمية وتباطؤ النمو العالمي إذا طال أمد النزاعات.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي ميشال فياض، في حديث لـ"النشرة"، أن الكلفة الاقتصادية المباشرة على الولايات المتحدة ستتراوح بين 150 و250 مليار دولار مع نهاية عام 2026، إذا احتُسبت المساعدات العسكرية المقدمة لأوكرانيا وإسرائيل، إضافة إلى العمليات المرتبطة بالحرب مع إيران.
ويلفت إلى أن هذه التقديرات لا تشمل التكاليف المستقبلية، وفي مقدمتها الرعاية الصحية للمحاربين القدامى وفوائد الدين العام، ما يعني أن الفاتورة النهائية قد تكون أعلى بكثير، مشيرًا إلى أن الأسر الأميركية تتحمل بالفعل أكثر من 40 مليار دولار من الأعباء الإضافية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة.
ويؤكد فياض أن التأثير الأكبر للحروب على الاقتصاد العالمي يمر عبر قطاع الطاقة، موضحًا أن اضطراب الملاحة في مضيق هرمز أدى إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز، وهو ما انعكس على تكاليف النقل، والأسمدة، وسلاسل الإمداد، كما ارتفعت كلفة الشحن البحري وأقساط التأمين، فيما بقيت الأسواق المالية عرضة للتقلب، مع استمرار الدولار في لعب دور الملاذ الآمن.
ويشير إلى أن هذه التطورات بدأت تنعكس على الاقتصاد الأميركي نفسه، إذ تباطأ النمو بنحو نصف نقطة مئوية، فيما يزداد العجز المالي والدين العام نتيجة تمويل الجزء الأكبر من الإنفاق العسكري عبر الاقتراض، في وقت تواجه فيه المالية العامة الأميركية ضغوطًا متزايدة.
أما على صعيد الرابحين والخاسرين، فيرى فياض أن شركات الصناعات الدفاعية الأميركية وبعض منتجي الطاقة، ولا سيما روسيا، استفادوا من استمرار النزاعات، في حين تكبدت الدول المستوردة للطاقة، خصوصًا في أوروبا، خسائر كبيرة، إلى جانب المستهلكين والاقتصاد العالمي الذي يواجه تباطؤًا متزايدًا.
ويحذر فياض من أن استمرار المواجهات سيقود إلى مزيد من تباطؤ النمو العالمي، وإبقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، مع تصاعد الضغوط على المالية العامة في الولايات المتحدة وأوروبا، معتبرًا أن أي خفض سريع للتصعيد من شأنه أن ينعكس إيجابًا على أسعار الطاقة واستقرار الأسواق وانتعاش النشاط الاقتصادي العالمي.
وتتقاطع قراءة ميشال فياض مع تحذيرات المؤسسات المالية الدولية. ففي أحدث تحديث لصندوق النقد الدولي، أشار الصندوق إلى أن الاقتصاد العالمي لا يزال يُظهر قدرًا من الصمود، إلا أن وتيرة النمو تبقى غير متوازنة في ظل استمرار تداعيات الحروب، متوقعًا نموًا عالميًا بنحو 3.0% في عام 2026 يرتفع إلى 3.4% في عام 2027، مع التشديد على أن استمرار الصراعات أو تجددها قد يعيد الضغوط التضخمية إلى الواجهة، ويزيد من تقلبات الأسواق، ويضغط على الاقتصادات المستوردة للطاقة. كما دعا الحكومات إلى إعادة بناء هوامشها المالية وتعزيز قدرتها على مواجهة الصدمات.
من جهتها، تؤكد مؤسسات دولية أخرى، من بينها البنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، أن تصاعد التوترات الجيوسياسية بات يشكل أحد أبرز المخاطر التي تهدد النمو العالمي، لما يرافقه من ارتفاع في تكاليف الطاقة والشحن والتأمين، وتزايد الضغوط على المالية العامة للدول، في وقت تتسع فيه مستويات الدين العام ويضيق هامش المناورة أمام السياسات المالية والنقدية.
وبينما تتواصل النزاعات في أكثر من جبهة، يبدو أن فاتورة الحرب لم تعد تقتصر على الموازنات العسكرية أو خسائر ساحات القتال، بل أصبحت تمتد إلى الاقتصاد العالمي بأسره. فالإنفاق الدفاعي المتزايد، وتقلب أسعار الطاقة، وارتفاع تكاليف التجارة والتمويل، كلها عوامل تعيد رسم المشهد الاقتصادي الدولي. وإذا كانت التسويات السياسية قد تُنهي المعارك، فإن معالجة آثارها الاقتصادية قد تستغرق سنوات، ما يجعل السؤال المطروح اليوم ليس فقط كم ستبلغ كلفة الحرب؟ بل أيضًا: "إلى أي حد يستطيع الاقتصاد العالمي الاستمرار في تحمّل فاتورة الصراعات المتلاحقة؟".

































