على الرغم من أنّ الهجمات الواسعة على لبنان مُجمّدة منذ منتصف نيسان الماضي، تتواصل معركة من نوع آخر على عشرات القرى والبلدات الجنوبية الحدودية، حيث يستمرّ الجيش الإسرائيلي بما يمكن وصفه بحرب إبادة في الجنوب، والتي تطال حاليًا الحجر بعد أن كانت قد استهدفت البشر. والواضح أن قوات الاحتلال لم تكتفِ بتهجير مئات آلاف الجنوبيين من منازلهم، بل تعمل ليلًا نهارًا على منع عودتهم إليها حتى في المستقبل غير القريب! ماذا في التفاصيل؟
تحتل إسرائيل حاليًا نحو 55 قرية وبلدة في جنوب لبنان تمكّنت من السيطرة عليها خلال معاركها مع مقاتلي "حزب الله"، إضافة إلى المواقع المحتلة سابقاً مثل مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء اللبناني من بلدة الغجر، من دون أن ننسى وجود نقاط حدودية خلافية عدّة على طول الخط الأزرق، ناهيك عن مُشكلة القرى السبع التاريخية التي تعود إلى عام 1923، عندما جرى سلخ سبع قرى كانت تتبع جبل عامل في لبنان وإلحاقها بفلسطين تحت الانتدابين الفرنسي والبريطاني.
وبغضّ النظر عن النتائج المحتملة لمفاوضات روما القائمة حاليًا، وعلى أمل أن تقود جولات التفاوض المتكرّرة بين إيران والولايات المتحدة، إلى تهدئة الأوضاع على مستوى الشرق الأوسط ككلّ، تعمل إسرائيل على عرقلة استعادة القرى والبلدات اللبنانية الواقعة ضمن ما يُسمّى "الخط الأصفر"، وعلى تدمير المنطقة الحدودية المحتلة عن بكرة أبيها خلال هذا الوقت المُستقطع – إذا جاز التعبير! وبالتالي، حتى لو تحقّق الانسحاب في يوم من الأيام في المستقبل، وتمّت العودة، سيواجه الأهالي مُعضلة كبرى تتمثّل في الحاجة إلى أموال طائلة غير متوفّرة لإعادة إعمار كل شيء! فالمسألة ليست عبارة عن منزل مُهدّم هنا ومبنى منهار هناك وطريق مُتضرّر هنالك، بل تتمثّل بدمار تام وشامل لكل ما يرمز إلى الحياة! وفي هذا السياق، تصل نسب التدمير في بعض القرى والبلدات المتاخمة للحدود في جنوب لبنان إلى نحو 100%، حيث مسحت أحياء وبلدات كاملة عن الخريطة جراء عمليات النسف والتجريف الممنهج، وجرى التركيز على مربعات سكنية كاملة داخل بلدات عدة (منها على سبيل المثال لا الحصر: حداثا، مركبا، طلوسة، والمنصوري). والحديث هو عن عشرات الآلاف من الوحدات السكنية والمنشآت المُهدّمة كلياً أو جزئياً في القرى الحدودية الأمامية. ولم تقتصر عمليات الهدم التي لم تنته فُصولًا بعد على المنازل فحسب، بل شملت المدارس والمؤسسات والمصانع والمحال التجارية، وكذلك الطرقات وشبكات المياه والكهرباء والإنترنت، إلخ. حتى أنّ دور العبادة والمقابر لم تسلم من هذه السياسة العدوانية. وقد أدت عمليات التفجير الضخمة في ضواحي تلال علي الطاهر ومرتفعات الشقيف إلى الإضرار بالبيئة المحيطة، والتسبب بارتجاجات هددت سلامة معالم تاريخية مدرجة على قائمة منظمة اليونسكو للتراث العالمي.
وبات من الواضح أنّ التفجيرات التي تتم باستعمال مئات الأطنان من المواد الشديدة الانفجار لا تطال حصرًا شبكات الأنفاق والمسارات المُقامة تحت الأرض، والتي تتهم إسرائيل مقاتلي "حزب الله" باستخدامها لأغراض عسكرية، ولا حتى كل المباني والمنازل المدنية ومختلف البنى التحتية العائدة إلى الدولة اللبنانية فحسب، حيث تستهدف المنشآت الحيوية والحقول الزراعية والمحال التجارية بهدف القضاء على المقومات الاقتصادية في القرى الواقعة ضمن "الحزام الأمني"، وتحويل كل هذه المساحة الجغرافية الحدودية إلى مناطق غير قابلة للعيش، علمًا أنّ عدد السكان في هذه البقعة كان يبلغ قبل التهجيرنحو 273 ألف نسمة.
ومن الضروري الإشارة إلى أنّ الكلفة الإجمالية لإعادة إعمار ما هدّمته الحرب مع إسرائيل خلال السنوات الثلاث الماضية تُقدّر بما لا يقلّ عن 9.2 مليارات دولار بحسب تصريحات وزيرة الشؤون الاجتماعية حنين السيد، وتصل في تقارير البنك الدولي وجهات مستقلّة أخرى إلى نحو 11 مليار دولار، لتغطية الأضرار المباشرة وغير المباشرة. وحتى تاريخه لم يحصل لبنان سوى على الوعود، حيث أعلن مثلًا الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الاستعداد التام لتقديم كل الدعم لإعادة إعمار جنوب لبنان، وأبدت فرنسا والاتحاد الأوروبي والدنمارك استعدادها لدعم مسار التعافي وإطلاق برامج ومشاريع لدعم المناطق المتضررة بشروط مرتبطة بالإصلاحات، في حين أبلغت الخارجية المصرية نظيرتها اللبنانية بـاستعداد مصر للمساهمة المباشرة في إعادة إعمار وترميم المرافق الحيوية المتضررة. وفي الوقت الذي أقرّ فيه البنك الدولي حزمة تمويل بقيمة 250 مليون دولار مخصصة لترميم وإعادة إعمار البنى التحتية المتضررة، قدّمت دول مثل السعودية والإمارات وقطر والكويت مساعدات إنسانية وإغاثية واسعة، إلا أن مساهمتها المالية المباشرة في صناديق إعادة الإعمار الكبرى ترتبط بشروط أمنية وسياسية واقتصادية واضحة، لجهة بسط سلطة الدولة وضمان الاستقرار الاستراتيجي، والمُضيّ قُدمًا بالإصلاحات الهيكلية لجهة ربط المساعدات ببرامج مكافحة الفساد وتفعيل الحوكمة المالية الشفافة للمؤسسات اللبنانية، مع الإشارة إلى أنّ الكثير من المانحين الدوليين يُفضّلون تقديم الأموال عبر قنوات وصناديق دولية مستقلة (مثل البنك الدولي) بدلاً من تسليمها مباشرة للمؤسسات الحكومية التقليدية.
في الخلاصة، أكثر من ربع مليون لبناني تهجّروا من أراضيهم في الجنوب، وعودتهم إليها لم تعد مقتصرة على انسحاب الاحتلال فحسب، بل ترتبط بمشاريع إعادة إعمار شاملة تتطلّب أموالًا طائلة، غير متوفّرة على الإطلاق. وبالتالي، حتى لو نجحت الاتصالات في روما أو غيرها، في وقف سياسة التدمير الممنهج الذي تواصل إسرائيل تنفيذه في الجنوب، فإنّ عودة سُكان القرى المُهجّرة ستكون مُعلّقة لفترة زمنية طويلة. فمسار العودة يستوجب: التوصل إلى تسوية كبرى في لبنان والمنطقة، ثم انسحاب قوات الاحتلال، وبعدها تأمين مليارات الدولارات وإزالة العوائق أمام وُصولها إلى من يستحق، وأخيرًا إطلاق ورشة إعادة الإعمار التي تحتاج وحدها لسنوات طويلة، إن تأمّن كل ما سبق!