إنّ العودة إلى القرى في جنوب لبنان ليست نهاية النزوح؛ فالسؤال الحقيقي هو ما إذا كانت البيوت ستستعيد أصحابها فقط، أم ستستعيد معها المدرسة والعمل والزراعة والأمان والحياة. قد يعود الإنسان إلى بيته، لكنه لا يعود بالضرورة إلى حياته.
هذه هي المفارقة التي تختصر المشهد في جنوب لبنان اليوم. فبعد شهور من النزوح، بدأت أعداد كبيرة من اللبنانيين بالعودة إلى مناطقهم، لكن العودة إلى المكان ليست بالضرورة إلى ما كان عليه قبل الحرب. فقد يبقى المنزل قائمًا بينما يختفي مصدر الرزق، وتبقى القرية في موقعها بينما تتراجع الخدمات، ويعود الأب والأم بينما لا يجد أبناؤهما مدرسة أو عملًا أو طريقًا آمنًا إلى يوم طبيعي.
وتظهر أرقام منظمة الهجرة الدولية حجم حركة العودة والنزوح في آن. ففي 15 أيلول 2026، كانت المنظمة تسجل 341,228 نازحًا داخليًا في لبنان، مقابل 864,680 شخصًا قالت إنهم بدأوا العودة إلى مجتمعاتهم. وهذه الأرقام تقيس حركة السكان ولا تعني أن كل عائد استعاد حياة مستقرة أو أن كل منزل أو خدمة عادت إلى وضعها الطبيعي.
لذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد: كم شخصًا رجع؟ بل: إلى ماذا عاد؟
وهنا تبدأ قصة الجنوب الثانية؛ وهي لا تتعلق فقط بما تهدم، بل بما يجب أن يُبنى بعد ذلك.
عودة بلا حياة
قد تكون أسهل صورة لإعادة الإعمار هي لمنزل تهدم ثم أُعيد بناؤه. لكنها في الحقيقة أكثر الصور اختزالًا للمشكلة.
فالبيت ليس اقتصادًا، والمدرسة ليست طريقًا، والطريق ليس وظيفة، والوظيفة ليست مجرد راتب. الحياة في أي منطقة تقوم على شبكة كاملة من العلاقات والخدمات والفرص التي تجعل البقاء ممكنًا.
ولهذا فإن عودة السكان من دون إعادة تشغيل هذه الشبكة قد تنتج عودة جغرافية أكثر منها اجتماعية واقتصادية.
وهذا ما يجعل المنطقة المهدّمة جرّاء العدوان الاسرائيلي أمام تحدٍ يتجاوز إصلاح الأضرار المادية. فالمطلوب إعادة تشغيل البلدات، لا إعادة بناء جدرانها فقط. وأن تعود المتاجر، والمدارس، والعيادات، والبلديات، والمياه، والكهرباء، والنقل، والزراعة، وأن يجد أصحاب المهن والعمال والشباب سببًا للبقاء.
وهنا تحديدًا تصبح العودة رقمًا ناقصًا ما لم ترتبط بقدرة الناس على الاستقرار.
لقد أظهرت التقييمات التي أعدها البنك الدولي بعد النزاع الممتد من تشرين الأول 2023 إلى كانون الأول 2024 أن محافظتي النبطية والجنوب كانتا من أكثر المناطق تأثرًا، ضمن أضرار شملت السكن والزراعة والتجارة والصناعة والسياحة والبنية التحتية والخدمات العامة. وقدّرت الدراسة كلفة الأضرار المادية والخسائر الاقتصاديّة على مستوى لبنان بنحو 14 مليار دولار، وحاجات التعافي وإعادة الإعمار بنحو 11 مليار دولار. لكن هذا التقدير يغطي تلك الفترة السابقة، وليس تقييمًا شاملًا للآثار التي أحدثها التصعيد اللاحق في 2026.
وهذا التفصيل مهم، لأن الجنوب الذي كان يحتاج إلى إعادة بناء قبل عامين ليس بالضرورة هو الذي يحتاج إلى البناء اليوم.
فالحرب لا تضيف أنقاضًا فقط؛ إنها تغيّر السلوك الاقتصادي والسكان وأنماط العمل والاستثمار.
وعندما يضطر صاحب متجر إلى إغلاق متجره أشهرًا، والمزارع إلى ترك أرضه، والعائلة إلى الاستقرار بعيدًا عن قريتها، فإنّ الضرر لا يتوقف عند تاريخ انتهاء القتال. بعض آثاره يستمر حتى بعد عودة الهدوء.
وهنا يصبح أخطر سؤال أمام الجنوب: هل يستطيع أن يستعيد سكانه اقتصاديًا، لا سكنيًا فقط؟
جنوب مختلف
ربما يكون الجنوب في حاجة إلى أكثر من إعادة إعمار؛ إلى إعادة بناء اقتصادية.
وهذه ليست فكرة نظرية. ففي أيار 2026 أطلقت الحكومة اللبنانية مع الاتحاد الأوروبي والدنمارك وفرنسا برنامجًا بقيمة 32 مليون يورو للمناطق المتضررة من النزاع في جنوب لبنان والبقاع، على أن يشمل دعم المؤسسات الوطنية، وتعزيز قدرات السلطات المحلية، ومساعدة الأعمال المحلية على استعادة نشاطها، ودعم الزراعة المستدامة وخلق فرص عمل للفئات الأكثر هشاشة. ويمتد البرنامج من 2026 إلى 2029.
المغزى من ذلك يتجاوز قيمته المالية المحدودة قياسًا بحجم الاحتياجات.
فمجرد أن تُدرج البلديات والأعمال والزراعة وفرص العمل في صلب برنامج التعافي يعني أن إعادة بناء الجنوب لا تُفهم فقط باعتبارها مشروع بنية تحتية، بل باعتبارها محاولة لإعادة تشغيل الاقتصاد المحلي.
وهذا هو الاتجاه الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة. فالجنوب لا يحتاج إلى طرق جديدة فقط، بل إلى اقتصاد يستطيع أن يستخدمها. ولا يحتاج إلى إعادة بناء الأسواق فقط، بل إلى زبائن ودورة إنتاج وقدرة شرائية.
ولا يحتاج إلى ترميم الحقول فقط، بل إلى مزارعين يستطيعون الوصول إليها وتسويق منتجاتهم وتأمين المياه والتمويل.
ولا يحتاج الشباب فيه للعودة إلى بيوتهم فحسب، بل إلى سبب اقتصادي يجعلهم لا يغادرونها مرة أخرى.
هنا تحديدًا يمكن أن تتحول إعادة الإعمار من عملية استعادة للماضي إلى فرصة لإعادة النظر في المستقبل.
هل يبقى الاقتصاد المحلي معتمدًا على الزراعة بالشكل التقليدي نفسه؟
هل يمكن إدخال الطاقة الشمسية والتقنيات الحديثة إلى القرى والمزارع؟
هل يمكن تطوير الصناعات الغذائية والخدمات والسياحة الريفية؟
هل يمكن خلق شبكات إنتاج تربط الجنوب ببقية الاقتصاد اللبناني بدل أن يبقى النشاط محصورًا داخل الأسواق المحلية؟
هذه الأسئلة تبدو اليوم أكثر أهمية من السؤال عن عدد المباني التي ستُرمم.
لأن المبنى يستطيع أن يعيد عائلة إلى القرية، لكن الاقتصاد هو الذي يستطيع أن يبقيها فيها.
والأمر لا يتعلق بالجنوب وحده. فالبنك الدولي يرى أن الاقتصاد اللبناني دخل 2026 على مسار تعافٍ هش قبل أن يؤدي تجدد الصراع إلى قلبه، ويتوقع انكماش الناتج المحلي بنسبة 6.4 في المئة هذا العام، محذرًا من أن النزوح وتدمير رأس المال المادي وتعطل التعليم والصحة وخروج العمال المهرة يمكن أن تترك آثارًا طويلة المدى على قدرة الاقتصاد الإنتاجية.
وهذا يعني أنّ الجنوب قد يواجه مشكلة مزدوجة: إعادة بناء ما تهدم، ومحاولة وقف خسارة ما تبقى من طاقته البشرية والاقتصادية.
من يملك الغد؟
لكن هناك سؤالًا ثالثًا، وربما هو الأصعب: من سيقرر شكل الجنوب الذي سيأتي؟
الدولة اللبنانية ستكون مطالبة بقيادة عملية التعافي، لكن التمويل لن يكون محليًا بالكامل. والمؤسسات الدولية والجهات المانحة والقطاع الخاص ستكون حاضرة بدرجات مختلفة. كما أن البلديات والهيئات المحلية ستكون في موقع متقدم لأنها الأقرب إلى تفاصيل الحياة اليومية.
وهنا ينبغي أن تكون المسألة واضحة: ليست المشكلة في أن يساعد الخارج، ولا في أن يموّل القطاع الخاص، بل في ألا تتحول إعادة الإعمار إلى مجموعة مشاريع منفصلة لا يجمعها تصور واحد.
الجنوب يحتاج إلى خطة تقول بوضوح: ماذا نريد أن يكون بعد خمس أو عشر سنوات؟ هل هو مجرد منطقة حدودية يجري ترميمها بعد كل جولة من العنف؟ أم منطقة زراعية حديثة؟ أم مركزًا للصناعات الصغيرة؟ أم منطقة تستفيد من موقعها ومواردها الطبيعية وطاقاتها البشرية؟ أم مزيجًا من كل ذلك؟
لا توجد إجابة واحدة جاهزة، لكن عدم طرح السؤال يعني عمليًا ترك عملية التحول للوقائع والظروف والجهات التي تملك المال.
وهنا يدخل العامل الأمني بقوة.
فقرار مجلس الأمن الرقم 2790 نص على وقف عمليات اليونيفيل في 31 كانون الأول 2026 وبدء خفض قوامها وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال سنة، بهدف أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة التي توفر الأمن في الجنوب. كما يجري حاليًا بحث ترتيبات للمرحلة التالية، وسط مخاوف من أي فراغ أمني محتمل، بالتوازي مع مشاورات بين لبنان وشركائه الدوليين حول دعم الجيش والترتيبات المقبلة.
وهذا يجعل مستقبل الجنوب متصلًا بثلاثة ملفات لا يمكن فصل بعضها عن بعض: الأمن، والدولة، والاقتصاد.
فلا يمكن أن تطلب من المستثمر أن يضع أمواله في منطقة غير مستقرة. ولا يمكن أن تطلب من المزارع العودة إلى أرضه من دون ضمانات كافية. ولا يمكن أن تبني مدرسة جديدة من دون معرفة من سيضمن استمرارها. ولا يمكن أن تطلب من السكان أن يستقروا إذا بقي مستقبل المنطقة عرضة لتحولات أمنية متكررة.
لذلك، فإن إعادة بناء الجنوب ليست مشروع إعمار فقط. إنها مشروع استقرار.
والكلام هنا لا يعني الهدوء الأمني وحده، بل استقرارًا في المؤسسات، والقوانين، والخدمات، والاقتصاد، والاستثمار، والحياة اليومية.
وهذا هو الفارق بين أن يعود الناس إلى الجنوب وأن يعود الجنوب إلى الحياة.
فقد تعود عائلة إلى منزلها، لكنها تغادره بعد أشهر إذا لم تجد مدرسة لأطفالها أو عملًا لها أو طريقًا صالحًا أو خدمة صحية أو كهرباء ومياهًا مستقرة. وقد يُرمم متجر، لكنه لا يفتح أبوابه إذا لم يعد هناك زبائن. وقد تُزرع الأرض، لكن الزراعة لن تستمر إذا لم يكن هناك سوق وتمويل ومياه وسلاسل توزيع.
لهذا، فإن نجاح الجنوب لن يُقاس بعدد المنازل التي أُعيد بناؤها فقط، إنما بعدد الشباب الذين اختاروا البقاء، وبعدد المؤسسات التي عادت إلى العمل، وبقدرة المزارع على استعادة أرضه، وبعودة المدارس والمستشفيات والأسواق، وبقدرة البلديات على أداء دورها، وبوجود دولة تستطيع أن تجعل الأمن جزءًا من الحياة الطبيعية، لا حدثًا استثنائيًا، وهنا قد يكون علينا أن نغيّر لغة إعادة الإعمار نفسها.
فالجنوب لا ينبغي أن يُعامل باعتباره منطقة يجب إصلاحها، بل باعتباره جزءًا من اقتصاد وطني يجب إعادة دمجه وتطويره.
وقد تكون هذه هي الفرصة الأصعب والأهم في آن واحد.
لأن ما تهدم يمكن أن يُبنى.
أما من فقد وظيفته الاقتصادية والاجتماعية، فيحتاج إلى أكثر بكثير من الإسمنت. يحتاج إلى رؤية، وهي لم تظهر لدى الوزراء المعنيين الّذين يُقال أنهم يتابعون ما ليسوا على علم به في هذا السياق.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق عودة كل عائلة إلى بيتها ليس فقط: هل أصبح المنزل صالحًا للسكن؟
بل: هل أصبح المكان صالحًا للحياة؟
فالجنوب سيعود بالتأكيد إلى الخريطة.
لكن التحدي الحقيقي هو أن يعود إليها جنوبًا قادرًا على البقاء، والإنتاج، والاستثمار، وتربية أبنائه، والعيش في ظل دولة واحدة وقواعد واضحة ومستقبل يمكن التخطيط له.
الجنوب يعود... لكن إلى أي جنوب؟ هذه ليست مسألة أدبية. إنها، ببساطة، واحدة من أكثر الأسئلة أهمية في مستقبل لبنان.