اعتبر البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، خلال ترؤّسه القدّاس الإلهي في غابة أرز الرّبّ، بمناسبة عيد تجلي الرب، أنّ "هذا العيد هو استباق ليوم القيامة، وكشف مسبق عن مجد المسيح، الّذي ظهر أمام تلاميذه بوجه مشرق وثياب مضيئة، فعجزوا عن احتمال بهاء المشهد وسقطوا أمام عظمة ما رأوه".
وأوضح أنّ "الطبيعة الإلهيّة للمسيح تجلّت في تلك اللّحظة بكلّ بهائها، مع أنّ ابن الله كان قد ظهر بين البشر في جسد متواضع وضعيف وقابل للألم. ومن هنا، رأى أنّ التجلّي يقود المؤمن أوّلًا إلى مدرسة التواضع، لأنّ الله أخفى ألوهيّته واتخذ طبيعتنا البشريّة، فيما الإنسان مدعو إلى أن يدرك موقعه الحقيقي أمام عظمة الله وسرّه".
وشدّد البطريرك الراعي على أنّ "التواضع هو الفضيلة الأساسيّة الّتي يعلّمنا إيّاها المسيح، وأنّ الإنسان لا يستطيع أن يقف أمام الله إلّا بقلب متواضع، مدركًا أنّ كلّ عظمة بشريّة تبقى محدودة أمام مجد الله. فالمسيح الّذي أخفى ألوهيّته في الجسد، كشفها للحظات أمام تلاميذه، لكي لا ينسوا أنّ وراء الضعف والألم مجدًا لا يزول".
وربط حدث التجلّي بما سبقه بستّة أيام، "حين أعلن بطرس إيمانه بالمسيح في قيصرية فيلبس، قائلًا: "أنت المسيح ابن الله الحي". وبعد هذا الإعلان، أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا وصعد بهم إلى جبل عالٍ، في إشارة إلى أنّ اللّقاء بالله يتطلّب من الإنسان أن يرتفع عن الأرضيّات وشؤون العالم، لكي يتنشّق شيئًا من الرّوح".
كما أشار إلى أنّ "الجبل العالي لا يحمل معنى جغرافيًّا فقط، بل يحمل معنى روحيًّا، إذ يدعو الإنسان إلى رفع قلبه وفكره نحو الله، والتحرّر من ثقل الدنيويّات الّتي تشغله وتستحوذ على حياته. فالمسيح رفع تلاميذه عن صخب العالم، ليكشف لهم للحظة حقيقة مجده ويهيّئهم لما سيواجهونه لاحقًا من ألم وصليب".
وأكّد الرّاعي أنّ "التجلّي هو صورة مسبقة للقيامة، وأنّ المسيح كشف من خلاله أنّه هو الحيّ وربّ الحياة. فالرّسل الّذين سيشاهدون معلّمهم مصلوبًا ومتألّمًا ومدفونًا، كانوا بحاجة إلى أن يحملوا في ذاكرتهم صورة الجبل، حيث رأوا المجد الّذي يختبئ وراء الضعف، لكي يدركوا أنّ الموت ليس النّهاية وأنّ القيامة هي الكلمة الأخيرة".
وركّز على أنّ "المسيحيّين هم جماعة الرّجاء، وأنّهم رغم الصلبان الّتي تعبر حياتهم، مدعوّون إلى حملها برجاء وفرح روحي، لأنّ رجاءهم أكبر من الألم، ولأنّ المسيح الّذي مرّ بالصليب هو نفسه المسيح القائم والحي".
وأوضح أنّ "الرّجاء المسيحي ليس إنكارًا للألم ولا هروبًا من الواقع، بل هو القدرة على النّظر إلى ما وراء الصليب، والثّقة بأنّ القيامة تشكّل الأفق النّهائي لمسيرة الإنسان مع الله. فالمؤمن لا يعيش أسير المأساة، بل يحمل في قلبه وعد الحياة التي انتصرت على الموت".
إلى ذلك، وصف الرّاعي عيد التجلّي بأنّه "عيد تعزية لكلّ إنسان موجوع من حرب أو تشريد أو ألم"، داعيًا المتألّمين إلى أن "يرفعوا أنظارهم نحو المسيح المتجلّي، وألا يسمحوا للظلمة بأن تحجب عنهم الرّجاء. ففي عالم تثقله الحروب والمآسي والقلق، يأتي التجلّي ليعلن أنّ الظلمة ليست النّهاية، وأنّ للحياة كلمة أقوى من الموت، وللرّجاء كلمة أقوى من اليأس".
وكان الرّاعي قد زار قبل القداس، مدرسة التزلج- ثكنة يوسف رحمة، حيث اطّلع على أوضاع المدرسة والنّادي التابعين لها، وعلى برامج التدريب الرّياضي والعسكري والقتال الجبلي، والدّوريّات المنفَّذة في منطقة القرنة السّوداء. كما دوّن كلمةً في السجل الذّهبي، عبّر فيها عن تقديره للضبّاط والعسكريّين، ومتمنّيًا لهم دوام النّجاح والتوفيق.




















































