مع اقتراب الثالث من تشرين الثاني، تبدو انتخابات التجديد النصفي الأميركية أقل شبهًا باستفتاء بسيط على دونالد ترامب وأكثر شبهًا بمعركة متعددة الجبهات، لكل واحدة منها حساباتها الخاصة. فالديمقراطيون يدخلون السباق وهم يملكون فرصة حقيقية لاستعادة مجلس النواب، فيما تبدو مهمتهم أصعب بكثير في مجلس الشيوخ. وبين الاحتمالين يقف عامل ثالث: مزاج الناخب الأميركي، الذي تحكمه كلفة المعيشة والاقتصاد بقدر ما تحركه الهجرة والحرب والسياسة الخارجية.
لذلك، فإن الحديث عن «موجة زرقاء» كاسحة قد يكون سابقًا لأوانه، تمامًا كما أن افتراض احتفاظ الجمهوريين بالكونغرس أمر لا يستند إلى معطيات مريحة. انتخابات 2026 تبدو، حتى الآن، أقرب إلى سباق بفوارق صغيرة يمكن أن تقلب نتيجته مجموعة محدودة من الدوائر والولايات.
يبدأ الجمهوريون المعركة من موقع مريح ظاهريًا، لكن هامشهم ليس واسعًا. فالتوزيع الحالي لمجلس النواب هو 218 جمهوريًا و212 ديمقراطيًا، إلى جانب عضو مستقل واحد، وأربعة مقاعد شاغرة. والعضو المستقل كيفن كيلي، يصطف مع الجمهوريين في المجلس.
وهذا يعني أن الديمقراطيين لا يحتاجون إلى «اجتياح» الخريطة حتى يستعيدوا المجلس. يكفيهم انتزاع عدد محدود من المقاعد الجمهوريّة، مع الحفاظ على مقاعدهم الهشّة، لتغيير ميزان القوى. ووفق Ballotpedia، هناك 46 دائرة تصنف حاليًا ضمن ساحات المعركة، أي نحو 12% من إجمالي مقاعد مجلس النواب؛ 25 منها يشغلها ديمقراطيون و21 يشغلها جمهوريون.
لكن الرقم لا يعني أن المقاعد الـ46 متساوية في فرص الانقلاب. بعض الدوائر أكثر حساسية من غيرها للبيئة الوطنية، وبعضها يرتبط بشخصية المرشح وسمعته المحلية. وفي نيويورك مثلًا، يواجه الجمهوري مايك لولر معركة في دائرة فاز فيها ترامب في 2024، لكن الديمقراطيين لا يندفعون حتى الآن بكل مواردهم خلف محاولة إسقاطه، بسبب كلفة سوق نيويورك الانتخابي وبسبب قدرته على بناء صورة أكثر اعتدالًا من حزبه.
وهنا تكمن إحدى مفارقات انتخابات مجلس النواب: لا يكفي أن يكون الحزب المنافس متقدمًا وطنيًا كي يفوز بالمقاعد؛ عليه أن يحوّل ذلك التقدم إلى أصوات في مناطق محددة جدًا.
إعادة رسم الدوائر الانتخابية ساهمت في تقليص عدد المناطق التي يمكن أن تتأرجح بسهولة بين الحزبين. وتشير تحليلات مركز جامعة فيرجينيا للسياسة إلى أن عدد الدوائر الواقعة في النطاق الأكثر تنافسية تراجع بعد عمليات إعادة رسم الخرائط.
لكن ذلك لا يلغي المنافسة. بل ربما يجعلها أكثر تركيزًا: عدد أقل من الدوائر، لكن قيمة كل واحدة منها تصبح أكبر.
مجلس الشيوخ: الطريق الديمقراطي أكثر وعورة
إذا كان مجلس النواب يمثل نقطة ضعف الجمهوريين، فإن مجلس الشيوخ يفرض على الديمقراطيين حسابات أكثر تعقيدًا.
يمتلك الجمهوريون 53 مقعدًا مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم. وفي انتخابات 2026، ستكون 35 مقعدًا على بطاقة الاقتراع، بينها 33 مقعدًا في الدورة العادية وانتخابات خاصة في فلوريدا وأوهايو لشغل المقعدين اللذين أخلاهما ماركو روبيو وجيه دي فانس بعد انتقالهما إلى إدارة ترامب؛ الأوّل أصبح وزيرًا للخارجية والثاني نائبًا للرئيس.
ويحتاج الديمقراطيون إلى مكسب صافٍ من أربعة مقاعد لاستعادة السيطرة.
وهنا تصبح الخريطة الجغرافية أهم من الرقم الإجمالي. فوفق Inside Elections، تقع جورجيا وميشيغان ونورث كارولاينا في قلب معركة السيطرة على مجلس الشيوخ. وإذا أراد الديمقراطيون الوصول إلى الأغلبية، فإن الفوز بهذه الولايات الثلاث قد يكون شبه ضروري، ثم يحتاجون إلى انتزاع مقعد إضافي من مجموعة أخرى من السباقات التنافسية.
في جورجيا، يخوض الديمقراطي جون أوسوف معركة إعادة انتخابه في ولاية لا تزال تحمل ميلًا جمهوريًا على المستوى السياسي، رغم التحولات التي شهدتها خلال السنوات الماضية. وتشير Inside Elections إلى أن أوسوف احتفظ خلال الصيف بتقدم مريح في الاستطلاعات على منافسه الجمهوري مايك كولينز.
أما ميشيغان، فتحولت إلى سباق مفتوح بعد إعلان السيناتور الديمقراطي غاري بيترز تقاعده. ويصنف هذا السباق حاليًا ضمن أكثر السباقات تنافسية، وهو ما يفسر الاهتمام الجمهوري الكبير به.
وفي نورث كارولاينا، تزداد أهمية السباق لأنّ الجمهوريين يدافعون عن مقعد يمكن للديمقراطيين، مع مرشح قوي، أن يحولوه إلى نقطة اختراق. لذلك فإن اختزال الخريطة الجمهورية في مقعد سوزان كولينز في مين وحده لا يعكس الصورة الكاملة.
الديمقراطيون متقدمون لكن الموجة لم تصل بعد
تمنح استطلاعات الاقتراع العام للكونغرس الديمقراطيين أفضلية ملحوظة في الوقت الراهن. ففي استطلاع ActiVote الذي أُجري بين 29 تموز و8 آب، تقدم الديمقراطيون على الجمهوريين بخمس نقاط بين الناخبين المرجح مشاركتهم.
لكن الفارق الوطني لا يتحول تلقائيًا إلى عدد مماثل من المقاعد. فالانتخابات الأميركية لا تُحسم بالتصويت الشعبي الوطني لمجلس النواب، وإنما بنتائج كل دائرة على حدة. ولهذا يمكن لحزب أن يتقدم بفارق مريح على المستوى الوطني، ثم يخرج بأغلبية صغيرة فقط.
والأهم أن بعض مؤشرات الاستطلاعات تعكس مزاجًا أكثر تعقيدًا من مجرد رفض ترامب.
في استطلاع Marquette Law School الوطني الذي أُجري في أيار الماضي، بلغت نسبة تأييد ترامب لأدائه العام 38% مقابل 62% رفضًا. لكن اللافت كان الاقتصاد: 30% فقط أيدوا طريقة إدارته له، بينما لم تتجاوز نسبة التأييد في ملف التضخم وكلفة المعيشة 22%. وقال 37% من المشاركين إن التضخم وكلفة المعيشة هي القضية الأكثر أهمية بالنسبة إليهم.
هذه الأرقام تجعل الاقتصاد عاملًا انتخابيًا يصعب على الجمهوريين تجاهله.
فالناخب الذي يذهب إلى صندوق الاقتراع في ولاية متأرجحة قد لا يكون مهتمًا كثيرًا بالمعارك الأيديولوجية في واشنطن بقدر اهتمامه بسعر البنزين، والإيجار، وأسعار الغذاء، وقدرته على دفع فواتيره.
وهذا لا يعني أن الاقتصاد وحده سيقرر الانتخابات. فالهجرة، والحقوق الاجتماعية، والسياسة الخارجية، والحرب مع إيران، والتعريفات التجارية، كلها تدخل في حسابات الناخبين. لكن تحويل كل هذه الملفات إلى قضية واحدة هو الخطأ؛ الناخب الأميركي لا يصوت بصفته كتلة واحدة، بل وفق خليط من المصالح والمخاوف والانتماء الحزبي.
ترامب: قوة انتخابية أم عبء على مرشحي حزبه؟
هنا تصبح شخصية الرئيس عاملًا يصعب قياسه بالأرقام وحدها.
ترامب لا يزال صاحب نفوذ هائل داخل الحزب الجمهوري، خصوصًا في الانتخابات التمهيدية. وتظهر استطلاعات Marquette أنه يحتفظ بقدرة قوية على التأثير في الناخب الجمهوري، حتى في وقت تراجعت فيه شعبيته العامة.
وهذا يخلق معضلة للمرشحين الجمهوريين.
في الانتخابات التمهيدية، يحتاج المرشح إلى إثبات قربه من قاعدة ترامب. لكن ما ينجح فيها ليس بالضرورة ما ينجح في دائرة انتخابية متأرجحة في تشرين الثاني. وفي المقابل، لا يستطيع المرشح الجمهوري أن ينأى بنفسه عن ترامب إلى درجة تنفّر الناخبين الذين يحتاج إليهم في الانتخابات العامة.
الديمقراطيون يواجهون معضلة مختلفة: الاستفادة من عدم شعبية الرئيس من دون تحويل الانتخابات إلى استفتاء عليه وحده. فإذا نجح الجمهوريون في جعل السباق يدور حول أداء الديمقراطيين ومواقفهم الخاصة بدل أداء الإدارة، يمكن أن يتقلص أثر التقدم الوطني للديمقراطيين.
الاقتصاد والسياسة الخارجية يدخلان غرفة الاقتراع
تبدو السياسة الخارجية أكثر حضورًا في انتخابات 2026 مما كانت عليه في كثير من الانتخابات النصفية السابقة، لكن ليس بالضرورة بالطريقة التي يفترضها الخطاب السياسي.
الحرب على إيران، وأسعار الطاقة، والتعريفات التجارية، واضطرابات التجارة العالمية، كلها قضايا يمكن أن تصل إلى الناخب الأميركي من باب واحد: حياته اليومية.
ولهذا فإن السؤال الانتخابي الحقيقي قد لا يكون «هل تؤيد سياسة ترامب الخارجية؟»، بل «هل جعلت هذه السياسة حياتي أكثر أمانًا وأقل كلفة؟».
وهذا الفارق مهم. فالسياسة الخارجية لا تتحول إلى قضية انتخابية كبيرة إلا عندما تصبح محسوسة محليًا.
ماذا يحدث إذا استعاد الديمقراطيون مجلس النواب؟
إذا حصل هذا الأمر، ستكون ضربة سياسية كبيرة لترامب، لكنها لن تعني نهاية قدرته على الحكم.
سيصبح البيت الأبيض أمام كونغرس أكثر عدائيّة، وستزداد قدرة الديمقراطيين على إجراء التحقيقات الرقابية واستدعاء المسؤولين وفتح الملفات المتعلقة بسياسات الإدارة. كما سيصبح تمرير التشريعات الكبرى أكثر صعوبة.
لكن القول إن ذلك سيؤدي تلقائيًا إلى «شلل تشريعي كامل» سيكون مبالغة. فالرئيس يملك أدوات تنفيذية واسعة، والكونغرس لا يتحكم بكل تفاصيل السياسة الخارجية أو الإدارة اليومية للحكومة.
كما أن وجود مجلس شيوخ جمهوري سيضع حدًا للكثير من الطموحات الديمقراطية. فإذا سيطر الديمقراطيون على مجلس النواب فقط وبقي الجمهوريون في مجلس الشيوخ، فإن واشنطن ستدخل مرحلة من الانقسام المؤسسي، لكن ليس بالضرورة مرحلة من الشلل الكامل.
وقد يدفع هذا الوضع الإدارة إلى التركيز أكثر على المجالات التي تستطيع السلطة التنفيذية التحرك فيها بمفردها، خصوصًا السياسة الخارجية والتنفيذ الإداري. لكن الاستنتاج القائل إن خسارة مجلس النواب ستدفع ترامب حتمًا إلى «تصعيد خارجي» يحتاج إلى قدر من التحفظ؛ فهو احتمال سياسي، لا نتيجة يمكن استخلاصها آليًا من نتائج الانتخابات.
السيناريو الأكثر ترجيحًا
لذلك فإنّ المعطيات المتوافرة حتى هذه اللحظة لا تسمح باعتبار نتيجة الانتخابات محسومة. لكنها تسمح برسم اتجاه واضح.
الديمقراطيون يملكون فرصة جدّية لاستعادة مجلس النواب. لديهم تقدم في الاقتراع العام، وعدد معتبر من الدوائر التنافسية يقع ضمن نطاق يمكنهم اختراقه. لكن هامشهم ليس كبيرًا بما يكفي للحديث عن موجة انتخابية مؤكدة.
أما مجلس الشيوخ، فطريقهم إليه أصعب بكثير. يحتاجون إلى أربعة مقاعد صافية، ويواجهون خريطة تتطلب أداءً قويًا في جورجيا وميشيغان ونورث كارولاينا، مع انتصارات إضافية في سباقات أخرى.
لهذا يبدو سيناريو الكونغرس المنقسم من السيناريوهات الجدية التي ينبغي التعامل معها: مجلس نواب ديمقراطي مقابل مجلس شيوخ جمهوري.
إذا حدث ذلك، فلن تكون النتيجة مجرد تغيير في تركيبة الكونغرس. ستدخل واشنطن النصف الثاني من ولاية ترامب في مرحلة مساومات ومواجهات وتحقيقات وصدامات حول الموازنة والتعيينات والسياسة الداخلية. وفي المقابل، سيحاول البيت الأبيض استثمار المجالات التي لا تتطلب موافقة تشريعية مباشرة.
لكن لا ينبغي تحويل هذا السيناريو إلى نبوءة.
فثلاثة أشهر في السياسة الأميركية مدة طويلة، وخصوصًا في انتخابات تتحرك فيها عشرات الدوائر بفوارق صغيرة. المرشحون لم يخوضوا بعد كل معاركهم، والإنفاق الانتخابي سيتصاعد، والاستطلاعات ستتغير، وأي تطور اقتصادي أو أمني كبير يمكن أن يعيد ترتيب الأولويات.
الدرس الأهم من انتخابات 2026 حتى الآن هو أن الخريطة لا تسمح بإجابة بسيطة من نوع «ترامب يخسر» أو «ترامب ينتصر».
المعركة الحقيقية ستكون على عدد محدود من المقاعد، وفي ولايات محددة، وبين ناخبين لا يحبون بالضرورة أيًا من الحزبين بما يكفي لمنحه تفويضًا مفتوحًا.
ولهذا قد يكون السؤال الأدق في الثالث من تشرين الثاني ليس: هل ستحدث موجة زرقاء؟ بل: كم مقعدًا يستطيع الديمقراطيون تحويله من غضب وطني إلى انتصار محلي؟
فإذا نجحوا في ذلك في مجلس النواب، فقد تنتقل «مطرقة» الكونغرس إلى يد أخرى. أما إذا فشلوا في تحويل تقدمهم الوطني إلى انتصارات في الدوائر الحاسمة، فقد يبقى الجمهوريون في موقع السيطرة رغم كل مؤشرات التململ الشعبي.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة انتخابات 2026: ليس في أنها محسومة، بل في أنها ليست كذلك.