لا يختلف اثنان على أنّ الوضع في ​لبنان​ والمنطقة دقيق جدًا، وأنّ الحد الفاصل بين المناوشات المحدودة الحالية والعودة إلى الحرب الشاملة رفيع جدًا. وتُوجد الكثير من التحاليل التي تتوقّع أن ينفجر هذا الاحتقان في الأسابيع القليلة المقبلة، ما لم يحدث خرق مهم على صعيد المفاوضات الأميركية–ال​إيران​ية. فماذا عن آخر المُعطيات المتوفّرة؟

أوّلًا: مع انتهاء مهلة الستّين يومًا المنصوص عليها في مُذكّرة التفاهم بين ​الولايات المتحدة الأميركية​ وإيران، والفشل في تطبيق البنود الأربعة عشر الواردة فيها، تُخيّم أجواء الترقّب على ما يمكن أن يحدث في الساعات والأيام القليلة المقبلة. ويبدو أنّ الكباش الحاد بين واشنطن وطهران غير مُرشّح للطّي قريبًا، في ظلّ تمسّك كلّ من الفريقين بمواقفهما المُشتدّدة. وبكل بساطة، لا ​مضيق هرمز​ فُتح، ولا استهداف السفن فيه توَقّف، ولا الأموال العائدة إلى إيران دُفعت، ولا المناوشات الأمنيّة في الخليج أو حتى في لبنان طُويَت، إلخ. لكن على الرغم من كل هذا المشهد العام القاتم، لا يبدو أنّ إدارة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ في وارد العودة إلى الحرب الشاملة، أقلّه حتى هذه اللحظة. وفي المعلومات المتوفّرة، فإنّ الضغط الأميركي الذي أخذ في الماضي أشكالًا متنوّعة، مُرشَّح لأن يتركّز في المرحلة الراهنة على المنحى الاقتصادي، لجهة تشديد الحصار النفطي والمالي المفروض على طهران، على أمل دفعها إلى طاولة المفاوضات مُجدّدًا وحملها على تقديم تنازلات كفيلة بالتوصّل إلى تسوية. وفي حال فشل ذلك، يعود الخيار العسكري الواسع النطاق إلى الواجهة من جديد.

ثانيًا: التصعيد الأمني الأخير في الجنوب، والذي هو الأخطر منذ توقيع "مُذكرة التفاهم" بين واشنطن وطهران و"اتفاق الإطار" بين لبنان و​إسرائيل​، ما زال موضعيًا ومضبوطًا إلى حدّ ما، لكنّ الأمور عرضة للتدهور بوتيرة سريعة في أي وقت، بسبب درجة الاحتقان العالية إقليميًا ومحليًا. وبالتالي، يمكن القول إنّ التوتر المتصاعد في بعض قرى وبلدات الجنوب، والذي لا يزال تحت سقف ضوابط محليّة وإقليمية ودَوليّة عدّة، يمكن أن يتفاقم في المستقبل القريب وأن ينعكس تصاعديًا على باقي المناطق اللبنانية، ما لم يحدث خرق مهم في عمليات التفاوض القائمة عبر أكثر من خط سياسي ودبلوماسي.

ثالثًا: تَبيّن مرّة جديدة أنّ "​حزب الله​" ما زال ينتشر بوضعيات قتالية سرِّية في مناطق التماس، في ظلّ جاهزية للإنخراط مُجدّدًا في القتال عندما تدعو الحاجة، والأهم عندما يصدر القرار بذلك من قبل قيادة "الحزب" بالتنسيق الكامل مع إيران. وحتى تاريخه لا يزال "حزب الله" لا يردّ على الاعتداءات والغارات وعمليات القصف والتدمير الممنهج من جانب الجيش الإسرائيلي، ويكتفي حصرًا بالمراقبة والمتابعة، مع التدخّل قتاليًا بشكل مضبوط ومحدود، عند ملاحظة أي محاولة تقدّم إسرائيلي في اتجاه مواقع استراتيجيّة، على غرار تلال منطقة "علي الطاهر" مثلًا. والمُلاحظ أنّ العديد من دبابات قوات الاحتلال، ومجموعات من مُشاته، تتجوّل بحريّة في أطراف ما يُسمّى "المنطقة الصفراء" من دون تعرّضها لأي نيران من عناصر "الحزب"، بينما يتمّ فورًا إرسال مُسيرات انقضاضية مُفخّخة عند رصد تقدّم أي قُوّة معادية نحو مواقع تضمّ أنفاقًا وبنى تحتيّة لم يتمكّن الجيش الإسرائيلي من دخولها في المعارك السابقة.

رابعًا: أظهرت عمليتي اغتيال كل من ​علي سمير الحاج حسن​ المسؤول في "قوّة الرضوان" و​علي محمد فخر الدين​ (أبو حسن علاء) المسؤول في "وحدة بدر"، أنّ أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية جدّدت لوائح الاستهداف والاغتيال التي ترصد عناصر "حزب الله" البارزين، وأنّ المُسيّرات المُعادية التي تجوب يوميًا فوق الجنوب وُصولًا إلى بيروت وامتدادًا إلى البقاع، لا تزال تعمل بدقّة على تحديد أماكن وجود الأهداف المطلوب تصفيتها عندما تصدر الأوامر بذلك، غير آبهة كالعادة بوجود أفراد العائلات من نساء وأطفال برفقتها. وبالتالي، يبدو أنّ الخروقات التي مكّنت الإسرائيليّين من تصفية العدد الأكبر من مسؤولي الصفّين الأوّل والثاني في "الحزب" خلال السنوات الثلاث الماضية، لا تزال موجودة، على الرغم من كل الجهود التي بذلها "حزب الله" لسدّ هذه الثغرات ولكشف المُخبرين ضمن صفوفه.

خامسًا: أثبتت التطوّرات على الساحة اللبنانية أنّ أهل الجنوب يدفعون الثمن الأكبر للصراع، في ظلّ فشل الحكومة اللبنانية في تأمين الحماية لهم ولأملاكهم، إن عبر الاتصالات الدَولية والوساطات الأميركية أو من خلال المفاوضات المباشرة مع الإسرائيليّين. كما فَشِل "حزب الله" بدوره في توفير أي حماية لهم أيضًا، إذ إنّ عمليات التهجير الممنهج والدائم لأهل القرى الحدودية، عبر الهدم والتفجير وإشعال الحرائق، وعمليات القصف وشن الغارات والاغتيال متواصلة بوتيرة عالية، بعد سقوط رهاني "الردع" و"​توازن الرعب​" اللذين كانا سائدين قبل حرب "إسناد غزّة". حتى أنّ ما يتردّد عن مظلّة إيرانية لأهل الجنوب غير دقيق، وانحسار المواجهة في لبنان وحصرها في بعض القرى الجنوبية في هذه المرحلة مرتبط بتأجيل مختلف الملفّات الساخنة وربطها بما ستنتهي إليه التسوية الإقليمية الكبرى. وبالتالي، إنّ من شأن فشل التوصّل إلى حل شامل، أن يُؤدّي إلى عودة المواجهات الساخنة في كل مكان، ومنها لبنان.

في الختام، لقد طال الصراع الأميركي–الإيراني كثيرًا، وكل يوم يمرّ من دون التوصّل إلى تسوية مرضية للجميع يزيد من الخسائر اللاحقة بمختلف القوى في المنطقة وحتى في العالم أجمع، بسبب ​الأزمة الاقتصادية​ وتضخّم الأسعار. أمّا في لبنان، فالخسائر تتجاوز المجالين المالي والاقتصادي، لتطال الأرواح والممتلكات، والأخطر أنها تشمل فرض واقع ديمغرافي خطير جدًا في العديد من القرى والبلدات الجنوبية التي صار من الصعب جدًا عودة أهلها إليها دون حلّ مسألة سلاح "الحزب"، وكذلك دون تأمين مليارات الدولارات لإعادة الإعمار.