ثمة مواقع في تاريخ النزاعات تتحول من حجمها الجغرافي الصغير إلى مساحة كبيرة تتعقد فيها أزمات متعددة. هذا بالضبط ما يحدث اليوم مع مرتفع علي الطاهر في الجنوب، إذ لم يعد الجدل حوله قابلًا للفهم كنزاع على موقع عسكري، بل بات مؤشرًا على ثلاث أزمات متوازية: أزمة ردع عسكري لم تحسم بعد، وأزمة انتخابية إسرائيلية تبحث عن نهاية، وأزمة اختبار للسيادة اللبنانية في أمتار قليلة.
اللافت في الملف العسكري ليس التفوق الإسرائيلي في حد ذاته، فهذا بات معروفًا، بل الفجوة المتكررة بين إعلان "السيطرة الكاملة" وبين استمرار الاشتباك لأسابيع بعد هذا الإعلان. هذه الفجوة تعكس طبيعة الهدف نفسه: السطح يمكن "احتلاله" بالنار، أما "شبكة الأنفاق" التي تحته فتستعصي على الحسم السريع. والنتيجة أن إسرائيل تجد نفسها أمام معضلة كلاسيكية في الحروب غير التقليدية: امتلاك القدرة على التدمير لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على "الإمساك" بالأرض. وحزب الله، من جهته، لا يراهن على منع السقوط النهائي بقدر ما يراهن على رفع كلفته إلى حد يجعله قرارًا سياسيًا محفوفًا بالمخاطر، أكثر منه إنجازًا عسكريًا نظيفًا.
ما يمنح هذه المعادلة العسكرية إلحاحًا متزايدًا هو اقتراب صندوق الاقتراع الإسرائيلي. فحين يجد رئيس الحكومة الحالي بنيامين نتنياهو نفسه أمام تراجع شعبي وصعود منافس يملك رصيدًا عسكريًا موازيًا (غابي إيزنكوت)، يتحول أي موقع رمزي إلى فرصة لتسويق حسم عبر "بروباغاندا مدروسة"، بصرف النظر عن دقتها الميدانية. وهذا لا يعني أن الحسابات الأمنية غائبة، بل أن العنصر السياسي بات يتداخل مع العسكري، بما يجعل الفصل بين الضرورة الاستراتيجية والاستحقاق الانتخابي صعبًا. والمفارقة أن هذا التداخل يعمل في الاتجاهين، كونه يدفع نحو التصعيد لإنتاج نصر سريع، كما يدفع نحو استعجال المسار الدبلوماسي كبديل أقل كلفة عن مغامرة برية غير مضمونة قبل موعد حاسم.
أما لبنان فهو الأكثر هشاشة. فالخطاب الرسمي يصرّ على أن قرار حصر السلاح سيادي محض، غير مرتبط بإملاء خارجي. لكن حين يتحول تنفيذ القرار إلى شرط تفاوضي تحدده أطراف خارجية بجدول زمني ضاغط، يصبح الفارق بين "القرار السيادي" و"الشرط المفروض" شكليًا أكثر منه جوهريًا. والأخطر أن الدولة اللبنانية لا تتعامل مع حزب الله كخصم يمكن إخضاعه بالقوة، لعدم قدرتها على ذلك، إذ يملك الحزب نسيجًا سياسيًا وشعبيًا يهدد بتحويل مسار المواجهة إلى حرب داخلية. وهذا يجعل أي مطلب بتسليم موقع كعلي الطاهر إلى الجيش اللبناني اختبارًا غير مسبوق لحدود العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحزب، لا مجرد إجراء أمني روتيني.
ما يجعل علي الطاهر استثنائية ليست مساحتها، بل كونها النقطة التي تلتقي فيها حدود القوة العسكرية الإسرائيلية، وضيق الوقت السياسي في تل أبيب، وهشاشة الخيارات أمام الدولة اللبنانية. غير أن أخطر ما يجري هو تغيير هادئ في تعريف المطلوب إنجازه. فالموقف اللبناني الأول في التفاوض كان واضحًا: تنفيذ بنود اتفاق الإطار بتسلسله المتفق عليه، والبدء بانسحاب إسرائيلي من النقاط المحتلة. لكن إسرائيل، عبر ربط أي تقدم تفاوضي بتطهير هذا المرتفع تحديدًا من وجود حزب الله، تعيد صياغة الاستحقاق: من "متى تنسحب إسرائيل" إلى "متى يزال خطر حزب الله من هذه النقطة". وهذا ليس تفصيلًا إجرائيًا، بل انقلاب في طبيعة المعادلة، إذ يتحول الانسحاب الإسرائيلي من التزام إلى مكافأة مشروطة بإنجاز أمني تتولى الدولة اللبنانية تنفيذه بالوكالة. وأيًا كانت نتيجة المعركة على هذه المساحة الجغرافية الصغيرة، فإن قبول هذا الاستبدال أو رفضه سيعطي صورة أوضح عن مستقبل التفاوض بأكمله، أكثر بكثير مما تسفر عنه معركة على موقع عسكري واحد في الجنوب.





















































