لماذا قاتلت إسرائيل بهذه الشراسة من أجل مرتفع لبناني لا يبدو، على الخريطة، أكثر من نقطة صغيرة في جنوب البلاد؟ ولماذا ظلّت تلة علي الطاهر خارج أولويات الانسحاب الإسرائيلي حتى بعدما دخلت واشنطن وبيروت وتل أبيب في مسار تفاوضي يفترض أن يقود، تدريجيًا، إلى إنهاء الاحتلال العسكري الإسرائيلي داخل الأراضي اللبنانية؟
السؤال لا يجيب عنه الارتفاع وحده، ولا الأنفاق وحدها، ولا حتى قرب التلة من النبطية. فالجغرافيا العسكرية لا تنظر إلى الجبل باعتباره «قطعة أرض»، بل باعتباره عينًا ودرعًا وممرًا ومنصة نار وعقدة اتصال في آن. ومن هذه الزاوية تحديدًا تبدو علي الطاهر أكثر أهمية مما يوحي به حجمها، لكن ربما أقل أهمية مما تحاول الرواية الإسرائيلية تقديمه.
تقع التلة، بحسب مصادر جغرافية وعسكرية وإعلامية متقاطعة، شمال نهر الليطاني، بين النبطية الفوقا وكفرتبنيت، وترتفع نحو 600 متر عن سطح البحر، وتطل على النبطية ومناطق واسعة من إقليم التفاح ومحيط الليطاني. وهي جزء من منظومة مرتفعات تتصل، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بقلعة الشقيف ومرتفعات أخرى تشكل العمود الفقري للجغرافيا العسكرية في هذا الجزء من الجنوب.
لكن قراءة موقع كهذا تحتاج إلى تجاوز السؤال التقليدي: «ما الذي يمكن إطلاقه منه؟» إلى سؤال أعمق: ماذا يستطيع من يسيطر عليه أن يرى، وماذا يستطيع أن يمنع، وأين يستطيع أن يضع حدوده الدفاعية؟
عينٌ على الجنوب
في الحرب البرية الحديثة، تمنح المرتفعات قيمة لا تتناسب بالضرورة مع مساحتها. التلة المرتفعة تسمح بالمراقبة، وتمنح أفضلية في الاستشعار وإدارة النيران، وتقلّص قدرة الخصم على التحرك من دون أن يكون مكشوفًا. وهذا بالضبط ما يجعل علي الطاهر مهمة.
فمن يسيطر على هذه المرتفعات يستطيع أن يراقب جزءًا واسعًا من المجال الممتد نحو النبطية وإقليم التفاح ومحيط الليطاني، كما أن موقعها يجعلها جزءًا من مثلث جغرافي مع مرتفعات أخرى، لا جزيرة عسكرية معزولة. وتقول رويترز إن ارتفاعها وموقعها يتيحان لحزب الله، عندما كانت تحت سيطرته، مواقع إطلاق وإشراف، ويربطانها بمنطقة إقليم التفاح وبمواقع جنوبية أخرى.
لكن ينبغي هنا تحدي مبالغة أخرى.
علي الطاهر ليست «مفتاح الجنوب كله» بالمعنى العسكري الحرفي. لا توجد تلة واحدة تستطيع أن تمنح من يسيطر عليها السيطرة الكاملة على رقعة بهذا الاتساع. قلعة الشقيف، ووادي الحجير، والمرتفعات الشرقية والغربية، وشبكة الطرق والأودية، كلها تدخل في معادلة السيطرة. لذلك فالتوصيف الأدق هو أن علي الطاهرعقدة في منظومة السيطرة على وسط الجنوب، وليس «مفتاحًا سحريًا» لكل المنطقة.
وهذا الفارق مهم؛ لأنه يكشف أن الإصرار الإسرائيلي عليها لا يمكن تفسيره بالجغرافيا وحدها.
ما تحت الأرض
تقول إسرائيل إن أهمية التلة لا تتوقف عند سطحها. فمنذ أشهر تتحدث المؤسسة العسكرية الإسرائيلية عن منشآت تحت الأرض، ومخازن، ومراكز قيادة، وشبكة أنفاق يُعتقد أنها مرتبطة بحزب الله. وفي 3 أيلول أعلنت إسرائيل أنها حققت «سيطرة عملياتية» على المنطقة، وفي اليوم التالي قالت إنها نجحت في «تطهير» شبكة أنفاق تحتها من مقاتلي حزب الله. لكن هذه الرواية لم تُحسم بتحقق مستقل؛ مسؤول عسكري لبناني قال إن إسرائيل تسيطر على المداخل الجنوبية وتراقب المداخل الشمالية بواسطة المسيّرات، من دون وضوح حول مدى توغل القوات الإسرائيلية داخل المجمع.
وهنا يجب الفصل بين حقيقتين.
الحقيقة الأولى أن إسرائيل جعلت علي الطاهر هدفًا عسكريًا رئيسيًا، وهو أمر تؤكده كثافة العمليات حولها منذ أشهر.
أما الحقيقة الثانية، وهي طبيعة المنشآت وحجمها ووظيفتها الفعلية، فلا تزال في جانب كبير منها رواية إسرائيلية لم تخضع لتحقيق ميداني مستقل. وهذا ليس تفصيلًا؛ لأن تحويل منشأة تحت الأرض إلى «مقر قيادة استراتيجي» يرفع القيمة العسكرية والسياسية للعملية أضعافًا.
وقد أشارت تقارير إسرائيلية إلى أن المؤسسة العسكرية باتت تتعامل مع علي الطاهر باعتبارها موقعًا بالغ الحساسية، في حين تحدث محللون لبنانيون عن مبالغة إسرائيلية في حجم أهميتها لخدمة أهداف سياسية أيضًا.
وهنا نصل إلى لبّ القضية.
لماذا تصرّ إسرائيل؟
لأن إسرائيل، على الأرجح، لا تتعامل مع علي الطاهر بوصفها نهاية عملية عسكرية، بل بوصفها قطعة في تصميم أمني أوسع.
منذ بداية العمليات الأخيرة، أنشأت إسرائيل ما سمّته منطقة أمنية أو عازلة داخل الأراضي اللبنانية. وتحولت المرتفعات إلى نقاط ارتكاز متتالية. وفي هذه القراءة، تصبح السيطرة على علي الطاهر امتدادًا منطقيًا للسيطرة على قلعة الشقيف ومحيطها: لا يكفي أن تمسك مرتفعًا واحدًا إذا بقي المرتفع المقابل قادرًا على مراقبة تحركاتك.
وهذا يفسر المسار العملياتي الذي وصفته تقارير لبنانية وإسرائيلية: التقدم من محيط الليطاني وقلعة الشقيف باتجاه علي الطاهر، مع الدفع في الوقت نفسه على محاور أخرى.
لكن هناك ما هو أبعد.
إسرائيل تعلن في الاتفاق الإطاري أنها لا تملك أطماعًا إقليمية في لبنان، وتربط احتلالها العسكري باستمرار تهديد حزب الله. وفي الوقت نفسه، ينص الإطار على أن إعادة انتشار الجيش الإسرائيلي ترتبط بعملية متسلسلة تبدأ بتفكيك البنية العسكرية للفصائل غير الحكومية، ثم التحقق منها، ثم تولي الجيش اللبناني المسؤولية الأمنية.
هذه الصياغة تعني شيئًا سياسيًا شديد الأهمية:
من يملك الأرض لحظة التفاوض يملك قدرة أكبر على تحديد معنى «الانسحاب» وشروطه.
ولهذا يمكن النظر إلى علي الطاهر باعتبارها ورقة تفاوضية بقدر ما هي موقع عسكري. فإذا أصبحت إسرائيل موجودة عسكريًا في التلة، يصبح الانسحاب منها جزءًا من عملية تفاوض على الأمن وليس مجرد تنفيذ تلقائي لتعهد سابق.
وهنا، تحديدًا، تكمن قيمة التلة بالنسبة إلى إسرائيل.
التلة والانتخابات
هناك عامل لا يجوز تجاهله: الزمن السياسي الإسرائيلي.
الانتخابات العامة الإسرائيلية محددة في 27 تشرين الأول 2026، ونتنياهو يواجه ضغطًا داخل معسكره الانتخابي ومحاولات لتوحيد الأحزاب اليمينية خشية تشتت الأصوات. كما أن استطلاعات الرأي تشير إلى هشاشة موقع معسكره.
في هذا المناخ، يصعب فصل العملية في علي الطاهر عن الحاجة إلى إنتاج صورة انتصار أمني واضح.
وهنا أيضًا ينبغي الحذر من القراءة الاختزالية: ليس معنى ذلك أن نتنياهو «احتل التلة من أجل الانتخابات». إسرائيل تملك بالفعل حسابات عسكرية حقيقية، وخشيتها من إعادة بناء قدرات حزب الله قرب حدودها ليست مختلقة. لكن الانتخابات تمنح العملية العسكرية وظيفة سياسية إضافية.
إنها تقول للناخب الإسرائيلي:حتى بعد وقف النار، وحتى بعد التفاوض، ما زالت حكومتكم هي التي تحدد أين تقف إسرائيل وأين تتقدم وأين تمنع خصمها من العودة.
وهذا أكثر أهمية من مجرد رفع علم فوق مرتفع.
الإطار تحت الاختبار
هنا يظهر التناقض الأكبر.
الاتفاق الإطاري الموقع في واشنطن في 26 حزيران/يونيو 2026 لا يقوم على انسحاب إسرائيلي فوري وغير مشروط. بل ينص على عملية «متبادلة ومتسلسلة»؛ يتولى الجيش اللبناني السيطرة الفعلية في مناطق نموذجية بعد التحقق من نزع سلاح الفصائل غير الحكومية وتفكيك بنيتها التحتية، ثم يتم الانتقال التدريجي للقوات الإسرائيلية خارج الأراضي اللبنانية. كما يتحدث الإطار عن بدء إعادة الإعمار وعودة المدنيين بعد استكمال الشروط الأمنية.
وهنا كانت المشكلة منذ البداية.
الاتفاق ترك العلاقة بين نزع السلاح والانسحاب في صيغة تسلسلية، لكنه لم يفرض جدولًا زمنيًا واضحًا ونهائيًا لخروج إسرائيل من كامل الأراضي اللبنانية.
وبذلك يصبح كل حدث ميداني قابلًا لأن يتحول إلى حجة لتأجيل الخطوة التالية.
إسرائيل تقول: لم ينتهِ خطر حزب الله.
الجانب اللبناني يقول: استمرار الاحتلال والقصف هو الذي يمنع استعادة الاستقرار.
وتبقى الحلقة مغلقة.
والأخطر أن الملحق الأمني الذي تداولته وسائل الإعلام لاحقًا يعزز فكرة «المناطق التجريبية» وفق نموذج يبدأ بالتنظيف والتحقق، ثم انتشار الجيش اللبناني، ثم الإعمار والعودة.
هذا ليس انسحابًا كلاسيكيًا.
إنه انسحاب مشروط بإعادة هندسة الأرض أولًا.
ماذا تفعل إسرائيل؟
على الأرض، ما يجري أكثر وضوحًا من النصوص.
منذ توقيع الإطار استمرت الغارات والعمليات داخل الجنوب. وفي 7 أيلول/سبتمبر قُتل 12 شخصًا في كفررمان، بينهم طفلان، وفق رويترز ووزارة الصحة اللبنانية، فيما تحدثت السلطات اللبنانية عن ضربات طالت مبنى سكنيًا ومسعفًا، بينما قالت إسرائيل إنها استهدفت عناصر ينقلون أسلحة.
وفي اليوم السابق، كانت ضربات إسرائيلية قد أصابت مبنى تابعًا لوزارة المالية ودمرت مستشفى غندور غير المستخدم، بينما ندد الرئيس جوزاف عون بالتصعيد واعتبره انتهاكًا لوقف إطلاق النار.
الأمر لا يتعلق بحادث واحد.
منظمة العفو الدولية وثقت استخدام إسرائيل أوامر إخلاء جماعية وأوامر تمنع السكان من العودة إلى مناطق داخل «المنطقة العازلة» التي أعلنتها إسرائيل من جانب واحد، واعتبرت أن حالات من هذا التهجير ترقى إلى النقل غير المشروع بموجب القانون الدولي. كما وثقت استمرار تدمير الممتلكات والبنى التحتية المدنية.
وهنا يصطدم الميدان بنص الاتفاق مباشرة.
فالحديث عن إعادة الإعمار وعودة السكان يفترض وجود مساحة قابلة للحياة. أما تحويل أجزاء واسعة من الجنوب إلى مناطق خالية من السكان أو إلى أرض مهدّمة ومحرّمة العودة، فإنه يصنع واقعًا يناقض جوهر فكرة «العودة الآمنة» التي يفترض أن يتولاها الجيش اللبناني بعد انتهاء المرحلة الأمنية.
الاتفاق والتآكل التنفيذي
هل يعني ذلك أن اتفاق الإطار انتهى؟
ليس بعد.
الأدق أنه دخل مرحلة التآكل التنفيذي.
فالاتفاق لم يكن معاهدة سلام مكتملة بجدول انسحاب شامل، بل إطارًا لعملية سياسية وأمنية يفترض أن تتبعه اتفاقات وتدابير تنفيذية. لذلك فإن استمرار الخروق لا يمحو النص تلقائيًا، لكنه يجعله أقل قدرة على إنتاج الوقائع التي يفترض أن ينتجها.
وهنا قد يقع الاتفاق في أخطر منطقة: أن يبقى قائمًا على الورق، بينما تتقدم الجغرافيا بعكسه.
إذا استمر الاحتلال في المرتفعات، واستمرت الضربات، واستمر تهجير السكان، وأصبحت كل عملية انسحاب مرتبطة بشرط أمني جديد، فإن الجنوب قد ينتقل من مرحلة «انسحاب تدريجي» إلى مرحلة «احتلال تدريجي منظم بشروط تفاوضية».
وهذا تحديدًا هو السيناريو الذي يجب أن يقلق لبنان.
بندٌ أخطر
هناك جانب آخر لا يحظى بالاهتمام الكافي.
ينص البند 13 من الإطار على التزام لبنان وإسرائيل اتخاذ خطوات حسن نية، ومنها وقف الأعمال العدائية أو المعادية في المحافل السياسية والقانونية الدولية. وقد حذرت هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية من أن تفسير هذا البند بصورة تمنع اللجوء إلى المحاكم الدولية يمكن أن يضر بحقوق ضحايا الانتهاكات ويعطل مسارات المساءلة.
أي أن لبنان قد يجد نفسه أمام معادلة شديدة الصعوبة:
المطلوب منه تثبيت أمن الدولة ونزع سلاح القوى غير الحكومية، لكنه في الوقت نفسه يواجه استمرارًا في العمليات الإسرائيلية، فيما تبقى أدواته السياسية والقانونية الدولية موضع قيود أو تأويلات متنازع عليها.
وهذا يخلق عدم توازن واضح.
إسرائيل تستخدم الأرض والنار والضغط الأمني.
لبنان يملك التفاوض والجيش والشرعية الدولية.
لكن عندما تتقدم الأرض أسرع من المفاوضات، تصبح الشرعية وحدها غير كافية لتغيير الواقع.
الرسالة الأبعد
قد تكون أهم نتيجة لمعركة علي الطاهر أنها كشفت أن الصراع لم يعد فقط على «من يبقى ومن ينسحب»، بل على من يعرّف جنوب لبنان بعد الحرب.
هل يكون جنوبًا يعود إليه سكانه وتُعاد إعماره سلطات الدولة، كما يوحي الإطار؟
أم جنوبًا يجري فيه تثبيت شريط أمني ومناطق ممنوعة ومرتفعات عسكرية تصبح كل واحدة منها ورقة تفاوض منفصلة؟
من هذه الزاوية، تصبح علي الطاهر أكبر من تلة.
هي اختبار لما إذا كان الانسحاب الإسرائيلي سيعني بالفعل استعادة السيادة اللبنانية، أم مجرد إعادة انتشار إسرائيلي إلى مواقع أكثر ملاءمة مع الإبقاء على حق العودة إلى القصف متى رأت إسرائيل أن شروطها الأمنية لم تتحقق.
وهنا أخطر ما في المشهد كله:
الاحتلال لا يحتاج دائمًا إلى إعلان أنه دائم؛ يكفي أحيانًا أن تصبح مغادرته مؤجلة إلى أجل غير مسمى.
وعلي الطاهر هي إحدى النقاط التي يمكن أن يتحول عندها «الموقت» إلى أمر واقع.
أما الاتفاق الإطاري، فإن مستقبله لن يُحسم في واشنطن ولا في البيانات الدبلوماسية، بل في السؤال الذي سيُطرح قريبًا جدًا على الأرض:عندما تصبح التلة تحت سيطرة إسرائيل، من يضمن أن تكون الخطوة التالية هي دخول الجيش اللبناني إليها، لا فتح باب التفاوض على تلة أخرى؟
هذا هو الاختبار الحقيقي للاتفاق.
وإذا لم يُجب لبنان والولايات المتحدة عنه مبكرًا، فقد يجد الجنوب نفسه أمام عملية مختلفة تمامًا: ليس إنهاء الحرب، بل إعادة تنظيم نتائجها قانونيًا وسياسيًا على مراحل.





















































