يصعب تفسير التصعيد الأخير لإيتمار بن غفير بوصفه مجرد انعكاس لفكره الغليظ المتشدد، مع الإشارة إلى أن الصمت العالمي (خرقته أصوات خجولة من أوروبا) أكثر من مريب، لا بل يعبّر عن ازدواجية فادحة وفاضحة في التعاطي، لأن مثل هذه التصريحات لو أتت من أي مسؤول عربي أو أوروبي أو حتى أميركي مناهض للإدارة الأميركية واستهدفت الإسرائيليين، لكنا أمام "ثورة" من المواقف النارية. موقع بن غفير الحالي يمنحه نفوذاً يتجاوز حجمه الانتخابي (وبنيته الجسدية) بكثير: حزب قد يحصد نحو عشرة مقاعد يستطيع، في ظل برلمان يحتاج رئيس الحكومة إلى 61 نائباً، أن يصبح شريكاً لا غنى عنه لبنيامين نتنياهو. لكن هذه القوة ليست مضمونة بعد الانتخابات، فإذا تغيرت موازين الكتل، قد يتحول بن غفير من شريك قادر على التأثير في قرارات الحكومة، إلى زعيم يميني في المعارضة.
من هنا يمكن قراءة تشدده الحالي باعتباره سباقاً مع الزمن. فبقاء الحرب في صدارة المشهد يبقي الأمن والردع والانتقام في قلب المنافسة السياسية، وهي البيئة التي يتمتع فيها بن غفير بأكبر قدرة على مخاطبة جمهوره وتقديم نفسه بوصفه الأكثر حزماً. أما نجاح مسارات التهدئة التي ترعاها أميركا في غزة ولبنان، وانتقال إسرائيل تدريجياً إلى مرحلة إدارة ما بعد الحرب، فسيدفع النقاش نحو قضايا الحكم والاقتصاد والكفاءة، وهي ساحات لا تمنح بن غفير الميزة نفسها. لذلك فإن دعوته إلى استمرار القتال ورفع مستوى التصعيد تخدم تموضعه داخل اليمين.
ولكن، هذا لا يعني بالضرورة أن المجتمع الإسرائيلي يتجه نحو تبني المواقف الإجرامية لهذا الوزير المتطرف. فرفض نتنياهو لا يساوي رفض الحرب، ومعارضة بن غفير لا تعني التحول إلى معسكر السلام. هناك قسم من الإسرائيليين يريد حكومة أكثر اعتدالاً وكفاءة، لكنه لا يزال ينظر إلى الأمن باعتباره أولوية مركزية. وتكشف الانقسامات داخل الليكود هذه المفارقة: جزء من ناخبيه يميل نحو حكومة أكثر وسطية، في مقابل تمسك أعضاء الحزب بالائتلاف اليميني. ولذلك قد يخسر نتنياهو من دون أن يخسر الخطاب الأمني المتشدد نفوذه.
هنا، تنتقل الأنظار إلى لبنان الذي يكتسب أهمية خاصة. فالدولة اللبنانية اتخذت خطوات صعبة باتجاه مسار تفاوضي ترعاه أميركا أدت الى انقسام داخل المجتمع اللبناني، ووافقت على ترتيبات تتصل بتعزيز سلطة الدولة وانتشار الجيش وحصر السلاح بها، بينما تربط إسرائيل انسحابها من الجنوب بتنفيذ هذه الالتزامات. في المقابل، يدفع بن غفير باتجاه إبقاء المواجهة مفتوحة ويرفض منطق الهدنة والتسويات. وهنا يتجاوز الخلاف حدود السياسة الإسرائيلية الداخلية، لأن استمرار التصعيد يمكن أن يصطدم مباشرة بالمسار الذي تحاول واشنطن بناءه في لبنان.
ولهذا فإن مواجهة بن غفير ليست، من منظور أميركي، مجرد مسألة تتعلق بتصريحاته. إنها اختبار لمدى قدرة واشنطن على إدارة حلفائها بقدر قدرتها على الضغط على خصومها. فإذا طلبت من لبنان تقديم تنازلات كبيرة، ثم عجزت عن ضبط إسرائيل عندما تتعارض خطواتها مع المسار التفاوضي، فإنها تخاطر بإضعاف الدولة اللبنانية التي تتعاون معها، وبإقناع اللبنانيين بأن التنازلات لا تنتج حماية أو استقراراً. أما إذا استطاعت فرض حدود واضحة على التصعيد الإسرائيلي، فإن ذلك يعزز نفوذها، لأن قوة الدولة الراعية للتفاوض تظهر أيضاً في قدرتها على إلزام حلفائها، لا في قدرتها على الضغط على الطرف الأضعف فقط.
ومن هنا تبرز مصلحة بن غفير المختلفة عن مصلحة نتنياهو. فنتنياهو يحتاج إلى الحفاظ على ائتلاف قابل للبقاء، بينما يستطيع بن غفير الاستفادة سياسياً من دفعه نحو مزيد من التشدد، ثم تقديم نفسه للناخب بوصفه الرجل الذي لا يتراجع أمام الضغوط، سواء جاءت من واشنطن أو من شركاء الائتلاف. وكلما اقترب نتنياهو من الوسط لاستعادة ناخبين، ازدادت فرصة بن غفير في تقديم نفسه باعتباره البديل الأكثر يمينية.
لذلك قد لا يكون هاجس بن غفير الأساسي هو خسارة الانتخابات، بل خسارة موقعه الحالي كصانع قرار. ويمكن بالتالي قراءة التصعيد الحالي على أنه محاولة لاستثمار أقصى ما يمكن من لحظة سياسية يجتمع فيها الائتلاف والحرب والانتخابات. وما سيحسم مستقبل بن غفير ليس مقدار الضجيج الذي يستطيع إحداثه الآن، بل ما إذا كان قادراً على تحويل هذا الضجيج إلى قوة تفاوضية قابلة للاستمرار بعد إعلان نتائج الانتخابات.






















































