اعتبرت صحيفة "الأخبار" أنّه "لم يعد الأمر تعاوناً قضائياً بين دولتين، بل مشهداً فاقعاً لدولة تتنازل عن قرارها، وسلطة تنحني أمام مطلب خارجي، وقضاء يعمل من يفترض أن يحميه على جعله ألعوبة في أيدي السياسيين ورعاتهم الخارجيين".
وأشارت إلى أنّ "في مشهد يختصر إلى حدّ الإذلال بؤس السلطة الحالية، نقلت قوة مؤللة من الأمن العام اللبناني، مساء أمس، الضابط السوري السابق عادل عيسى إلى الحدود اللبنانية- السورية، حيث سلّمته إلى السلطات السورية".
وركّزت الصحيفة على أنّه "فيما كانت الأجهزة الأمنية تتولى تنفيذ الخطوات القانونية والأمنية، تحت إصرار وإلحاح شديدين من رئيس الحكومة نواف سلام، كان القائم بالأعمال السوري إياد الهزاع "يرابط" في السراي الحكومي ضاغطاً لإنجاز المهمة، فيما بدا رئيس الحكومة مستعداً لتقديم كل ما يلزم كرمى لعيون دمشق الجديدة".
وأوضحت أنّ "المشكلة هنا لا تقتصر على سلام، الذي يبدو مستعداً لتقديم التنازل تلو الآخر أمام المطالب السورية، بل يبدو أن هناك دوراً أيضاً لنائب رئيس الحكومة طارق متري، المكلف بمتابعة العلاقات مع دمشق، فيما تحوّل النائب العام التمييزي أحمد رامي الحاج إلى نموذج صارخ لقضاء جرى انتزاعه من موقعه الدستوري، وتحويله إلى أداة في أيدي السياسيين، بحيث تُفتح ملفات بأوامر السلطة وتُغلق ملفات بإشاراتها؛ وتُستعجل قرارات بالسرعة التي تقتضيها الضغوط الخارجية".
كما شدّدت على أنّه "إذا كان يُفترض برئيس الحكومة، بما له من خلفية قضائية، أن يكون أكثر المدافعين عن التريث والتحقق من كل الضمانات، قبل تسليم شخص قد يواجه عقوبة قصوى في الدولة الطالبة، فإن ما جرى سار في الاتجاه المعاكس".
ورأت الصحيفة أنّ "ما حصل يشير إلى أن السلطة لم تتعامل مع الملف بوصفه قضية حياة أو موت ومسألة سيادة قضائية، بل كاستحقاق سياسي ينبغي إنهاؤه. وربما لا توجد صورة أكثر اختصاراً للالتباس الذي يحكم هذا الملف من التوقيت نفسه".
وأضافت: "بعدما أقر مجلس النواب اللبناني أخيراً إلغاء عقوبة الإعدام، على أن يُنشر القانون في الجريدة الرسمية غداً الخميس، كان القضاء اللبناني يمضي في تسليم عيسى الذي يواجه اتهامات يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام، ويحرص على تنفيذ الخطوة قبل سريان القانون الجديد".
وفسّرت أنّ "بمعنى آخر، كان أمام الدولة اللبنانية خيار الانتظار أياماً قليلة. وكان يمكن لرئيس الحكومة الذي يفترض أن خلفيته القضائية تجعله أكثر حساسية تجاه ضمانات المحاكمة العادلة وحماية الحقوق، أن ينتظر نشر القانون، وطلب ضمانات صريحة من الدولة السورية".
لبنان يدرس إلغاء 600 ألف مذكرة أمنية بحقّ سوريين
في سياق متصل، أفادت صحيفة "الشرق الأوسط" بأنّ "في خطوة تعكس إصراراً لبنانياً على إعادة تنظيم العلاقة مع سوريا على أسس أمنية وقانونية أكثر وضوحاً، بدأت السلطات اللبنانية معالجة أحد الملفات الأكثر تعقيداً الذي خلّفته سنوات النزوح السوري، من خلال إعادة النظر في القيود الأمنية التي حالت دون دخول مئات آلاف السوريين إلى لبنان".
وأوضحت أنّ "هذه الخطوة، في بعدها الأوسع، تعكس محاولة لبنانية للانتقال من إدارة ملف العلاقة مع سوريا عبر القيود والإجراءات الاستثنائية إلى إطار أكثر انتظاماً، يقوم على التعاون الأمني واحترام القوانين، بما يمهّد لمرحلة جديدة من العلاقات بين البلدين".
وعلمت "الشرق الأوسط" أن "جهاز الأمن العام اللبناني بدأ إجراءات قانونية لإلغاء الوثائق الأمنية التي تشمل أكثر من 600 ألف سوري، وتمنع دخولهم إلى البلاد منذ سنوات، والسماح لهم بالعودة بصورة شرعية وفق ضوابط قانونية محددة".
وأشار مصدر أمني بارز للصحيفة، إلى أنّ "المدير العام للأمن العام اللواء حسن شقير شكّل لجنة أمنية- إدارية، لدراسة ملفات السوريين الذين سبق أن صدرت بحقهم مذكرات أمنية تقيّد دخولهم الأراضي اللبنانية، نتيجة مخالفات مرتبطة بالإقامة أو الدخول إلى الأراضي اللبنانية".
ولفت إلى أنّ "كل مواطن سوري حُرم من العودة إلى لبنان بسبب كسر الإقامة (مخالفة شروطها والبقاء في لبنان بعد انتهاء مفاعليها) أو الدخول خلسة، أو استخدام وثائق مزورة من دون علمه بالأمر، تتم الآن إعادة دراسة ملفه، تمهيداً لشطب اسمه من لوائح القيود الأمنية، شرط ألّا تكون القضية مرتبطة بجرائم جنائية".
وأكّد المصدر أنّ "اللجنة تأخذ في الاعتبار الظروف التي رافقت مرحلة النزوح السوري إلى لبنان، لا سيما حالات الدخول غير الشرعي التي لم تقترن بارتكاب جرائم"، مبيّنًا أنّ "الأمن العام اللبناني أنجز حتى الآن عشرات آلاف الملفات، واقترب من تسوية أوضاع ما بين 90 و95 ألف سوري، على أن يرتفع العدد تدريجياً ليصل إلى نحو 600 ألف ملف، بعد استكمال عملية التدقيق".
وذكر أنّ "الأمن العام سيُصدر بعد انتهاء الإجراءات، بياناً يوضح الآلية الجديدة، على أن يتم إبلاغ الجانب السوري بأن الأشخاص الذين كانت لديهم إشكالات قانونية غير جنائية مع لبنان، بات بإمكانهم العودة إلى الأراضي اللبنانية بصورة شرعية".
كما ركّز على أنّ "الأمن العام يرى أن هذه الإجراءات لا تندرج فقط في إطار تسوية أوضاع السوريين، بل تشكل أيضاً خطوة أمنية تهدف إلى تجفيف منابع شبكات تهريب الأشخاص التي تنشط على الحدود اللبنانية - السورية، وإتاحة الدخول بصورة قانونية".
وشدّد المصدر على أنّ "هذه الإجراءات ستحدّ من دور مافيات التهريب والاتجار بالبشر، التي تستغل حاجة الراغبين في دخول لبنان، وتتقاضى مبالغ مالية مقابل إدخالهم خلسة عبر المعابر غير الشرعية"، موضحًا أنّه "سيصبح بإمكان السوريين دخول لبنان في المرحلة المقبلة بموجب الهوية السورية، سواء بصورة شخصية أو عبر مكاتب السياحة والسفر، وفق الشروط المعتمدة. أما السوري الراغب في العمل والإقامة في لبنان، فيمكنه الحصول على إجازة عمل وإقامة قانونية من الأمن العام، فيما تكون إقامة القادمين عبر وكالات السياحة والسفر محددة بشهر واحد".
وأشار إلى أنّ "لبنان يرحب بكل من يريد الإقامة على أرضه، شرط أن تكون إقامته قانونية"، مؤكّدًا أنّ "سوريا دولة شقيقة، وتنظيم حركة الدخول بين البلدين يصب في مصلحة الجانبين".
اقتصاد ما بعد الأزمة: النموذج نفسه بكلفة أعلى
على صعيد منفصل، لفتت صحيفة "الأخبار" إلى أنّه "إذا كان يُفترض بالأزمة التي بدأت في عام 2019 أن تفرض على الاقتصاد اللبناني نوعاً من التصحيح، فإن الأرقام التي نشرتها وكالة "ستاندرد أند بورز" أخيراً، تشير إلى العكس تماماً. ما حصل فعلياً هو أن الاقتصاد أصبح أصغر وأكثر فقراً، فيما بقيت الاختلالات التي كانت في أساس النموذج السابق قائمة".
وفسّرت أنّ "الفرق أن لبنان كان قبل الأزمة يمتلك الأدوات التي تسمح له بتمويل هذه الاختلالات لفترة طويلة، أمّا اليوم فهو يعيش النسخة الأكثر رداءة من النموذج نفسه. وهي تأتي على شكل اقتصاد ينفق في الخارج أكثر مما يولّد من إيرادات خارجية، من دون قطاع مصرفي قادر على استقطاب التمويل كما في السابق، وفي ظل تعثّر مستمر عن سداد الدين بالعملة الأجنبية".
وأشارت الصحيفة إلى أنّ "هذا بالتحديد ما تُظهِره أرقام "ستاندرد أند بورز" في تقريرها الصادر في 14 آب 2026، الذي أبقت فيه تصنيف لبنان بالعملة الأجنبية عند مستوى التعثّر الانتقائي "SD"، وتصنيفه الطويل الأجل بالليرة عند "CCC+" مع نظرة مستقرة. فالتحسّن الظاهر في بعض المؤشرات، وخصوصاً المالية العامة، لا يلغي حقيقة أن الاختلال الخارجي لا يزال كبيراً جداً".
وذكرت أنّ "في عام 2025، تقدّر الوكالة أن عجز الحساب الجاري بلغ ما يعادل 25.7% من الناتج المحلي. وهو مستوى ضخم حتى بالمقاييس اللبنانية. صحيح أن الوكالة تتوقع انخفاضه إلى 17.7% من الناتج في عام 2026، ثم إلى 16.3% في عام 2027، لكنه يعود إلى 16.9% في عام 2028، و16.3% في عام 2029. أي إن المسار المتوقّع لا يتضمن اختفاء العجز أو حتى اقترابه من مستويات يمكن اعتبارها هامشية، بل استقراره عند نحو 17% من الناتج في السنوات المقبلة".
كما ركّزت على أنّ "المشكلة تظهر بصورة أوضح عند قياس هذا العجز بحجم الأموال التي يولّدها الاقتصاد من الخارج. بحسب "ستاندرد أند بورز"، كان عجز الحساب الجاري في عام 2025 يعادل 43.2% من مجمل إيرادات الحساب الجاري، أي الإيرادات المتأتّية من صادرات السلع والخدمات والدخل والتحويلات وغيرها. وتنخفض النسبة إلى 39.2% في عام 2026، قبل أن تبقى قريبة من 40% حتى نهاية فترة توقعات الوكالة (38.7% في عام 2027، و42% في عام 2028، و41.5% في عام 2029)".
وشرحت "الأخبار"، أنّ "بصيغة أبسط، مقابل كل 100 دولار يولّدها لبنان كإيرادات في الحساب الجاري في عام 2026، هناك مدفوعات خارجية تقارب 139 دولاراً. والفرق، أي نحو 39 دولاراً، يجب أن يُموَّل من مكان آخر. لذلك، تكمن المشكلة في البنية الاقتصادية اللبنانية التي ما زالت تحتاج باستمرار إلى مصدر تمويل خارجي لتغطية الفرق بين ما يدخل إليها وما يخرج منها".
وأفادت بأنّ "هذا يظهر أيضاً في مؤشر أكثر حدّة لدى الوكالة، هو إجمالي حاجات التمويل الخارجي، قياساً إلى إيرادات الحساب الجاري والاحتياطات القابلة للاستخدام. فقد بلغت هذه النسبة 298.1% في عام 2025، وتتوقع "ستاندرد أند بورز" أن تبقى عند 276.2% في عام 2026 و274% في عام 2027، قبل أن تنخفض بشكل محدود إلى 263.7% في عام 2029".
وأضافت: "هذه النسبة ليست من الناتج المحلي، بل تعني أن حاجات التمويل الخارجي الإجمالية توازي أكثر من ضعفي ونصف ضعف مجموع الإيرادات الخارجية والاحتياطات التي تعتبرها الوكالة قابلة للاستخدام. وتحتسب الوكالة ضمن هذه الحاجات مدفوعات الحساب الجاري والديون الخارجية القصيرة الأجل والاستحقاقات الخارجية الأخرى".
وأكّدت الصحيفة أنّ "مصدر الجزء الأكبر من هذا الاختلال يبقى واضحاً في الميزان التجاري. فقد بلغ عجز تجارة السلع، وفق أرقام "ستاندرد أند بورز"، ما يعادل 44.4% من الناتج في عام 2025. وحتى مع الانخفاض المتوقّع إلى 35.9% في عام 2026، يبقى المستوى مرتفعاً جداً، ثم يتراجع تدريجياً إلى 32.5% في عام 2027 و31.4% في عام 2028 و30.1% في عام 2029. بمعنى آخر، بعد عقد كامل تقريباً من بدء الأزمة، لا تزال الوكالة تتوقع أن تبلغ الفجوة بين صادرات لبنان ووارداته من السلع نحو ثلث الناتج المحلي".
وبيّنت أنّ "الوكالة لا ترى تعافياً قريباً في حجم الاقتصاد نفسه، بل تتوقع أن ينكمش الناتج الحقيقي بين 8% و9% في عام 2026، على أن يؤدّي نشاط إعادة الإعمار إلى نموّ يراوح بين 2% و3% سنوياً خلال 2027-2029، بشرط انتهاء الحرب الواسعة النطاق. وهذا يعني أن لبنان لا يدخل مرحلة التصحيح الخارجي من بوابة زيادة الإنتاج والصادرات، بل يدخلها بعد انكماش إضافي في الاقتصاد، فيما يبقى العجز الخارجي مرتفعاً".

















































