من يستمع إلى التهجّمات التركية ال​إسرائيل​ية الحادّة والمتبادلة، الصادرة عن أعلى المسؤولين رتبة، ومن يُدرك خلفيات الغارات الإسرائيلية على مطار «أبو الظهور» الرامية إلى منع أي تمدّد عسكري تركي في العمق السوري، يظنّ للوهلة الأولى أنّ الحرب ستقع بين ​أنقرة​ و​تل أبيب​ في القريب العاجل، لما تتضمّنه تصريحات الطرفين من أحقاد دفينة ضدّ بعضهما بعضًا. فهل هذا الأمر وارد فعلًا، أم أنّ ما يجري ليس سوى مسرحيّات إعلامية؟

بدايةً، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ العلاقات التركية الإسرائيلية شهدت تاريخيًا محطات متقلّبة تراوحت بين التعاون الاستراتيجي والتوتر الشديد. وتعود أولى أسس التعاون الفعلي إلى العام 1958، عندما وقّع البلدان اتفاقيات سرّية للتعاون الأمني والتدريب العسكري وتبادل المعلومات الاستخباراتية. وفي العام 1989، جرى توقيع اتفاق تضمّن تعاونًا بين سلاحي الجو في البلدين في مجالي التدريب وتبادل المعلومات.

ثم جاء اتفاق العام 1996 ليشكّل قفزة نوعية في مجالات المناورات العسكرية المشتركة، وتحديث الأسلحة، والتدريب، وتبادل الخبرات الاستراتيجية. ودخلت العلاقات التركية الإسرائيلية مرحلة أكثر تقدّمًا في العام 2000، عندما جرى توقيع اتفاقية التجارة الحرّة بهدف توسيع التبادل التجاري ليشمل مجالات الطاقة والبنية التحتية وغيرها.

لكنّ الصراع في الشرق الأوسط أرخى بثقله على العلاقات بين أنقرة وتل أبيب، إذ تصاعدت الخلافات بين الطرفين في أكثر من مرحلة بسبب تطوّرات القضية الفلسطينية. وبعد حادثة سفينة «​مافي مرمرة​»، ضمن «​أسطول الحرية​»، في العام 2010، عندما اعترضت البحرية الإسرائيلية بالقوّة سفنًا من ​تركيا​ ومن دول أخرى كانت تحاول كسر الحصار المفروض على غزّة، وقعت قطيعة دبلوماسية دامت ست سنوات كاملة، قبل أن يأتي اتفاق تطبيع العلاقات في العام 2016 ليطوي تلك الصفحة. وتضمّن الاتفاق تعويضات إسرائيلية لعائلات ضحايا الحادث، وإعادة السفراء، وتنسيق إيصال المساعدات عبر ميناء أسدود.

ومع حرب غزّة، تدهورت العلاقات الإسرائيلية التركية مجدّدًا، حيث عمدت تركيا خلال السنوات القليلة الماضية إلى فرض حظر على الصادرات والواردات مع إسرائيل ردًّا على العمليات العسكرية في القطاع، واتخذت حزمة من الإجراءات شملت قيودًا على الطيران وحظر دخول السفن الإسرائيلية السياحية إلى الموانئ التركية. ويُذكَر في هذا السياق أنّ أكثر من 630 ألف سائح إسرائيلي وصلوا إلى المنتجعات التركية في العام 2022.

كما أصدرت أنقرة أوامر اعتقال بحق مسؤولين إسرائيليين، في وقت وصلت فيه العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية بين الطرفين إلى مرحلة شبه القطيعة التامة. وأكثر من ذلك، دخلت تركيا، وهي عضو أساسي في حلف «الناتو»، في تحالف إقليمي ضمّها إلى السعودية وباكستان، وتمثّل بتوقيع اتفاقية دفاع مشترك تُعرف بـ«​اتفاقية مكة​». وفي المقابل، انضمت إسرائيل إلى تحالف إقليمي مع اثنين من خصوم تركيا التقليديين، هما اليونان وقبرص، بهدف تعزيز التعاون الأمني والدفاعي، وإجراء تدريبات عسكرية مشتركة، وتطوير مشروعات للطاقة، وفي طليعتها استخراج غاز ​البحر الأبيض المتوسط​ وتصديره.

لكنّ كلّ ما سبق لا يعني إطلاقًا أنّ الحرب أصبحت على الأبواب بين تركيا وإسرائيل، وذلك لأسباب عدّة، أبرزها:

أولًا: تُعدّ تركيا وإسرائيل حليفتين أساسيتين لواشنطن، التي يصعب أن تسمح بانزلاقهما إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ثانيًا: يواجه كلّ منهما تحدّيات متعدّدة تدفعه إلى تركيز اهتمامه العسكري والأمني على ملفات أخرى. فأولوية إسرائيل تتمحور حول ​إيران​ وأذرعها العسكرية المنتشرة في المنطقة، فيما تنصرف أولوية تركيا إلى إدارة التهديدات المباشرة الآتية من مناطق النزاع في سوريا والعراق، وتداعياتها على استقرارها الداخلي، فضلًا عن القضية الكردية، وحماية مصالحها الاستراتيجية في شرق البحر المتوسط والبحر الأسود وخطوط نقل الطاقة، في ظلّ تنافسها الصامت مع إيران وعلاقتها البراغماتية الدقيقة مع ​روسيا​.

ثالثًا: يمتلك الطرفان اثنتين من أقوى المنظومات العسكرية والتكنولوجية في المنطقة، ما يجعل كلفة أي حرب مباشرة باهظة ومدمّرة للجانبين، من دون أفق واضح لتحقيق نصر حاسم.

رابعًا: يعود جانب كبير من الخطاب الحاد المتبادل بين تركيا وإسرائيل إلى اعتبارات انتخابية داخلية، وإلى محاولات تثبيت المكانة الإقليمية لكلّ منهما، فضلًا عن رسم خطوط تحدّد مناطق النفوذ.

في الخلاصة، صحيح أنّ إسرائيل متوجّسة من مساعي تركيا المستمرّة لترسيخ وجود قوى إقليمية عسكرية موالية لها في المنطقة، وهي لن تسمح، بحسب منطقها الأمني، بتكرار تجربة «الأذرع العسكرية» الموالية لإيران، وقد تواجه أي تهديد بالقوّة إذا اقتضى الأمر. لكنّ الأصحّ أنّ تركيا، بخلاف إيران، تُدرك حدود تحرّكها وهامش المناورة المتاح لها لتعزيز نفوذها الإقليمي.

وكذلك إسرائيل تدرك ما هو مسموح لها وما هو ممنوع. ومن هذا المنطلق، يدخل القصف الاستباقي لمطار «أبو الظهور»، قبل أن يتحوّل إلى قاعدة عسكرية متقدّمة لتركيا في سوريا، في السياق نفسه؛ فالمواجهة المباشرة مع أنقرة ليست خيارًا سهلًا، لكنّ الاستعراضات والرسائل العسكرية التي لا تقود إلى اشتباك واسع تبقى ضمن هامش الممكن.