يُواجهُ التعليم المُعاصر تحدِّيًا حقيقيًّا يتجلَّى في وُجود فجوةٍ عميقة بين المادَّة العلميَّة المجرّدة الَّتي يُطالَبُ المتعلِّم بحفظها داخل الجدران الصفِّيَّة، وبين الكفايات والمهارات الميدانيَّة الَّتي يُفترض أن يمتلكها للعيش والعمل في عصر التكنولوجيا والمعرفة. ففي أيَّامنا لم يعد السؤال يتعلَّق بمدى قدرة المعلِّم على إيصال المعلومات إلى أذهان المتعلِّمين، بل يمتدُّ إلى التفكير بجدوى هذه المعارف نفسها عندما تنفصل عن واقعهم اليوميِّ. ومن هنا لا بدَّ من أن نطرح السؤال الآتي: كيف يمكن للٱستراتيجيَّات التدريسيَّة الحديثة أن تردم الهوَّة بين المعارف النظريَّة المجرَّدة ومتطلِّبات الحياة الميدانيَّة وسوق العمل لدى طلَّاب الجيل الرقميِّ؟
وللإجابة عن هذا السؤال لا بدَّ من النظر إلى الفعل التعليميِّ بوصفه عمليَّة ديناميكيَّة متكاملة تعيد توزيع الأدوار وتُحرِّر المعرفة من جُمودها. ولعلَّ أولى خطوات هذا التغيير تبدأ من إعادة تعريف دور المعلِّم والمتعلِّم؛ إذ لم يعد ممكنًا قبول النموذج التقليديِّ الَّذي يختزل المدرِّس في دور المُلقِّن أو المُحاضر. وفي هذا السياق، يؤكِّد الدكتور محمَّد البحراوي في دراسته بعنوان: «استراتيجيَّات التعليم الحديثة وفق متطلِّبات مهارات القرن الحادي والعشرين» على ضرورة التخلِّي عن الدور التقليديِّ للمدرِّس، والتحوُّل نحو نموذج يكون فيه المعلِّم موجِّهًا ومحفِّزًا، مع تركيز التقييم على التعليم المبنيِّ على الكفايات ومخرجات التعلُّم العمليَّة بدلًا من الحفظ والٱستظهار (البحراوي، 2024).
في كتاب التعلُّم العميق «Deep Learning» الصادر في العام 2017، يتناول المؤلِّفون أزمة التعليم التقليديِّ الَّتي تؤدِّي إلى فقدان الشغف لدى الطلَّاب والتراجُع الملحوظ في دافعيَّتهم إذ لم يعد مناسبًا لمتطلِّباتهم، فأصبح هناك فجوة بين الواقع والمستقبل، ومن هنا تبرز الحاجة إلى التغيير. وقد عرَّف المؤلِّفون التعلُّمَ العميق بأنَّه عمليَّة ٱكتساب وتطوير لستِّ كفايات أساسيَّة شاملة وقابلة للقياس والتطوير، وهي: بناء الشخصيَّة، والمواطنة، والتعاون، والتواصل، والإبداع، والتفكير الناقد. فالتعلُّم العميق ليس مجرَّد أداة للطلَّاب المتفوِّقين، بل هو الأكثر فاعليَّة للطلَّاب المتعثِّرين في التعليم التقليديِّ، الَّذين يجب إشراكُهم في مهامَّ حقيقيَّة ذات مغزى تُشعِلُ فُضولَهُم وتمنحُهُم صوتًا وقيمةً (Fullan, Quinn, & McEachen, 2017).
ولترجمة هذا التحوُّل إلى واقع ملموس، لا بدَّ من ربط العلوم بالحياة، بحيث يُبنى المفهوم العلميُّ حول موقف واقعيٍّ يمنحه المعنى. وهنا يظهر مفهوم التعلُّم القائم على السياق (Context-Based Learning) ليشكِّل حجر الزاوية لهذا الإطار[1]. وتوضح دراسة الأستاذ الدكتور صالح محمَّد صالح في دراسته بعنوان: «استراتيجيَّات تدريسيَّة مستحدثة لطلَّاب الجيل الرقميِّ: التعلُّم القائم على السياق»، هذه الفكرة فتشير إلى أنَّ فصل المعارف النظريَّة عن سياقات الحياة الواقعيَّة يُحدث عجزًا لدى المتعلِّمين في فهم المفاهيم العلميَّة وتطبيقها، بينما يُسهم دمجُ البيئة المحلِّيَّة والواقعيَّة – سواءٌ في العلوم أو الرياضيَّات أو تحليل النصوص الأدبيَّة في سياقها التاريخيِّ والٱجتماعيِّ – في تعزيز الفهم العميق ونقل المتعلِّم من التلقِّي إلى الٱستكشاف (صالح، 2025).
وعلى صعيد التطبيق العمليِّ للُّغة والأفكار، تبرز ٱستراتيجيَّة التعلُّم القائم على المشاريع (PBL) كأداة بيداغوجيَّة تجمع بين التفكير النقديِّ والمهارات الٱجتماعيَّة[2]. يُمثِّلُ التعلُّم القائم على المشاريع ٱستراتيجيَّة تعليميَّة معاصرة تضع المتعلِّم في صميم العمليَّة التربويَّة، إذ يعتمد على الٱستقصاء والتطبيق العمليِّ لمعالجة تحدِّيات واقعيَّة عبر مشاريع محدَّدة المدَّة، متجاوزًا بذلك الأنماط التقليديَّة القائمة على التلقين والحفظ المجرَّد. وفي هذا الصدد، تأتي الدراسة الميدانيَّة الَّتي أعدَّها الدكتور ياسر حسن العبدالله بعنوان: «فعاليَّة ٱستخدام التعلُّم القائم على المشاريع في تعليم اللغة العربيَّة» فتُظهر أنَّ التطبيق المنتظم للمشاريع – وخاصَّة القصيرة المدى المتكرِّرة الَّتي تمتدُّ بين أسبوعَيْنِ إلى أربعة أسابيع – يؤدِّي إلى تحسين المهارات اللغويَّة الأربع، وتعزيز الٱستقلاليَّة والعمل الجماعيِّ، ورفع ثقة الطلَّاب بأدائهم اللغويِّ والفنِّيِّ (العبدالله، 2025).
وهنا نطرح السؤال: هل يمكن لهذا التحوُّل التربويِّ أن يكتمل من دون ٱستثمار البيئات الرقميَّة الَّتي يُتقنُها جيل اليوم؟ وفي هذا الإطار، قامت الباحثة هبة توفيق أبو عيادة في دراستها التحليليَّة بعنوان: «سُبُل تربويَّة مقترحة لتفعيل ٱستراتيجيَّات التعليم الإلكترونيِّ المعاصرة» بٱستعراض السُبُل التربويَّة لتفعيل التعليم الإلكترونيِّ المعاصر، مشيرةً إلى أنَّ نجاح هذه الٱستراتيجيَّات يتطلَّب تصميم برنامج تعليميٍّ تفاعُليٍّ يثير الفضول والتفكير الإبداعيَّ، ويتجنَّب العبءَ المعرفيَّ الزائد، مع ٱستثمار تطبيقات الذكاء الٱصطناعيِّ والتعلُّم القائم على الألعاب لتلبية الفروق الفرديَّة وتمكين المتعلِّم من الٱستكشاف الذاتيِّ (عيادة، 2025).
قد نتَّفق مع نتائج هذه الدراسات وقد نختلف، ولكنَّ أحدًا لا يُنكر هذا التطوُّر المجتمعيَّ السريع الَّذي يدعونا بإلحاح إلى إعادة النظر بٱستمرار في مناهجنا الدراسيَّة. وإذ نفكِّر أيَّ طالب نريد لمجتمعنا اليوم، لا يمكننا التغاضي عن التعلُّم القائم على المهارات والمشاريع، إذ إنَّ ٱستمرار التعليم التقليديِّ بصورته الحاليَّة يُخرِّج أجيالًا تمتلك معلومات وفيرة لكنَّها تعجز عن توظيفها في أوَّل ٱختبار ميدانيٍّ. ولكنْ، يبقى أن نسأل: إلى أيِّ مدًى يستطيع الميدان التربويُّ مواجهة التحدِّيات اللوجستيَّة والهيكليَّة الكبرى عند محاولة تطبيقه لهذه النظريَّات؟ ألا يصطدم تبنِّي التعلُّم القائم على المشاريع بنُظُم ٱمتحانات رسميَّة ومعياريَّة ما زالت تعتمد بنسبة كبيرة على الحفظ والتحصيل المعرفيِّ المباشر، ما يضع المعلِّم في تناقُض بين إعداد الطالب للٱمتحان وإعداده للحياة؟ ألا يتطلَّب إعدادُ بيئات تعلُّمٍ سياقيَّة ومشاريع رقميَّة وقتًا وموارد ضخمة وجهدًا مضاعفًا من المدرِّسين، وهو ما لا تسمح به أحيانًا كثافة المناهج الدراسيَّة وٱرتفاع عدد الطلَّاب في الصفِّ الواحد؟
وعليه، ألا يحتاج تطبيق هذه الٱستراتيجيَّات بفاعليَّة إلى أكثر من ٱقتراح بيئات جديدة؟ ألا يتطلَّب إصلاحًا تشريعيًّا وتنظيميًّا يطال الٱمتحانات الرسميَّة، ويمنح المعلِّم المساحة والوقت اللازمين لتصميم هذه التجارب التفاعليَّة؟ أولسنا بحاجة إلى تغيير ثقافة التعلُّم والممارسة التربويَّة اليوميَّة، وبناء شراكات جديدة بين المتعلِّم، والمعلِّم، والأسرة، والمجتمع؟
المراجع
Fullan, M., Quinn, J., & McEachen, J. (2017). Deep Learning (1st ed ed.). SAGE Publications.
العبدالله, د. ي. (2025, شباط 2). فعاليَّة استخدام التعلُّم القائم على المشاريع في تعليم اللغة العربيَّة. المجلَّة العربيَّة للنشر العلميِّ(76), 298-316.
د. محمَّد البحراوي. (نونبر, 2024). استراتيجيَّات التعليم الحديثة وفق متطلِّبات مهارات القرن الحادي والعشرين. مجلَّة عطاء للدراسات والأبحاث، 113-132.
صالح, أ. د. (2025, إبريل). استراتيجيَّات تدريسيَّة مستحدثة لطلَّاب الجيل الرقميِّ: التعلُّم القائم على السياق. مجلَّة كلِّيَّة التربية - جامعة العريش, الجزء الأوَّل(42), 16-50.
عيادة, ه. ت. (2025). سُبُل تربويَّة مقترحة لتفعيل استراتيجيَّات التعليم الإلكترونيِّ المعاصرة «دراسة تحليليَّة». Journal of Education for Humanities, 5(19).
[1] التعلُّم القائم على السياق هو أسلوب تعليميٌّ يربط المعلومات النظريَّة بالمواقف والمشكلات الواقعيَّة من حياة الطالب اليوميَّة.
[2] التعلُّم القائم على المشاريع هو أسلوب تدريس حديث يجعل الطالب محور العمليَّة التعليميَّة، حيث يتعلَّم عبر البحث والتجربة وحلِّ مشكلات حقيقيَّة من الحياة الواقعيَّة من خلال إنجاز مشروع عمليٍّ ممتدٍّ لفترة زمنيَّة محدَّدة، بدلًا من الاعتماد على الحفظ والتلقين النظريِّ.