بعد نحو ثلاثة عقود على إدراج "حزب الله" ضمن ما تصنّفها "منظمات إرهابية أجنبية"، عادت الولايات المتحدة إلى الاسم نفسه وإلى نظام عقوبات قائم أصلًا، لكنها أضافت حيثية أكثر حساسية لبنانيًا. فقد أعادت وزارة الخزانة الأميركية إدراج الحزب، لكن هذه المرة على أساس أنه يعمل تحت قيادة "فيلق القدس"، في قرار تزامن مع عقوبات استهدفت عشرة أشخاص اتهمتهم بإدارة شبكة تنقل الأموال نقدًا بين إيران وتركيا والإمارات ولبنان.
لا يتعلق الأمر بتصنيف الحزب للمرة الأولى، ولا باستبدال الإطار القانوني السابق. فقد أدرجته واشنطن "منظمة إرهابية أجنبية" عام 1997، ثم أدرجته "إرهابيًا عالميًا مصنفًا بصورة خاصة" عام 2001. أما الإجراء الأخير، فأضاف سندًا يصفه، وفق التقييم الأميركي، بأنه مملوك أو خاضع لسيطرة "فيلق القدس" الإيراني، أو توجيهه، أو يعمل باسمه أو لحسابه، بعدما اقتصرت الصياغات المتداولة طويلًا على علاقات التمويل والتسليح والدعم.
تزداد حساسية هذه الحيثية لأن الخزانة لم تربط "فيلق القدس" بالهجمات والأنشطة العسكرية فقط، وإنما تحدثت أيضًا عن تدخله العميق في توجيه القرار السياسي للحزب. وهنا تتجاوز الخطوة النقاش التقليدي حول السلاح، لتطال موقع تنظيم له كتلة نيابية وقاعدة اجتماعية وحضور في الحياة العامة، في وقت تحاول الدولة اللبنانية الفصل بين نشاطه السياسي وبين العمليات العسكرية والأمنية التي أعلنت حظرها.
صحيح أنّ إعادة الإدراج لا تحوّل هذا التقييم إلى حكم قضائي دولي، ولا تغيّر بذاتها الوضع القانوني للحزب في لبنان، وقد وصف الحزب العقوبات والتصنيفات الأميركية بأنها جائرة. لكنها تضيف إلى الضغوط المتعلقة بالسلاح معطيات مرتبطة بالقرار والتمويل وشبكات نقل الأموال. فهل يبقى ملف حزب الله نزاعًا لبنانيًا على حصرية السلاح، أم تدفع إعادة إدراجه إلى التعامل معه كجزء مباشر من المواجهة الأميركية مع الدولة الإيرانية؟
تصنيف قديم وسند إضافي
في المبدأ، استند القرار إلى الأمر التنفيذي 13224، وهو الإطار الذي يتيح تجميد أصول الجهات المصنفة ومنع الأميركيين من التعامل معها وتجفيف قنوات الدعم والخدمات. وقد خضع "حزب الله" لهذه القيود منذ عام 2001، بعدما أُدرج قبل ذلك منظمة إرهابية أجنبية. لذلك، لا يمكن القول إن العقوبات تبدأ من الصفر، كما أنّ الخطوة، من الناحية القانونية الصرف، لا تضيف فئة مستقلة لم تكن موجودة في الإجراءات الأميركية السابقة.
من هنا، يبدو أنّ التغيير الذي طرأ على الملف يتصل بالسند الذي يربط الحزب مباشرة بـ"فيلق القدس"، المصنف هو الآخر أميركيًا. فإدارة الرئيس دونالد ترامب لم تكتف باعتبار الطرفين متحالفين، وإنما أدخلت إلى سجل العقوبات توصيفًا يقوم على السيطرة أو التوجيه أو العمل بالنيابة. وهذا يوفّر لواشنطن سندًا محدّثًا لتتبع الشبكات المشتركة، وتقديم الوسطاء والممولين والواجهات التجارية باعتبارهم جزءًا من منظومة إيرانية ولبنانية مترابطة.
من التمويل إلى القرار السياسي
عمليًا، يتجاوز الفرق بين الدعم والتوجيه اختيار الكلمات. فالحزب المدعوم خارجيًا يمكن أن يحتفظ، نظريًا، بقراره الخاص، فيما يوحي توصيفه كجهة تعمل بأمر قوة عسكرية أجنبية بأن هذا القرار جزء من سلسلة قيادة تتجاوز الحدود. وقد ربطت وزارة الخزانة الأميركية إعادة الإدراج بتنسيق "فيلق القدس" لهجمات الحزب وبتدخله في قراراته السياسية، وهو توصيف يبقى منسوبًا إلى واشنطن ولا يكتسب تلقائيًا مكانة قضائية في لبنان.
تأتي هذه المقاربة بعد تقارير نشرتها أخيرًا وكالات أنباء عالمية عن دور ضباط إيرانيين في إعادة بناء الهيكل العسكري للحزب بعد حرب 2024، وتدريب عناصره والمساعدة في إعادة التسليح. لكنها لا تثبت أن كل موقف سياسي يصدر من طهران، ولا تمحو الجذور والتمثيل المحليين للحزب. مع ذلك، فالجديد هو أن الإدارة الأميركية جمعت النشاط العسكري والقرار السياسي داخل التوصيف نفسه، بعدما كان الجدل اللبناني يدور حول إمكان الفصل بينهما.
شبكة أموال على رحلات تجارية
في المسار الموازي، اتهمت الولايات المتحدة عشرة أشخاص باستخدام ناقلين على رحلات تجارية لتحريك مبالغ تصل إلى مئات ملايين الدولارات بين إيران وتركيا والإمارات ولبنان. ووضعت رجل الأعمال التركي يونس ألبر يلماز في مركز الشبكة، متهمة إياه باستخدام محال صرافة وشركات واجهة وحسابات مصرفية مرتبطة بتحويلات لـ"فيلق القدس"، فيما تولى آخرون جمع النقد وتنظيم نقله أو حمله إلى لبنان.
تكشف حيثيات الإدراج تفصيلًا إضافيًا: ثلاثة من أفراد الشبكة استُهدفوا على أساس دعم "فيلق القدس"، فيما صُنّف السبعة الآخرون على أساس دعم "حزب الله". بهذه الصيغة، تعرض واشنطن سلسلة مالية واحدة تصل الجهة الإيرانية بالوجهة اللبنانية. تبقى هذه الاتهاماتُ إدارية وليست أحكام إدانة، ولا تثبت تورط مطار أو شركة طيران، لكنها تضع الصرافة والتصريح عن الأموال وحركة المسافرين تحت تدقيق أكبر.
قرار لبناني يفصل وقرار أميركي يجمع
لا يكتفي القرار الأميركي بإثبات صلة بين "حزب الله" وإيران، فهو يعامل الحزب ككيان واحد خاضع لتوجيه "فيلق القدس"، من دون فصل بين جناح سياسي وآخر عسكري. وبذلك يصبح القرار السياسي، في الرواية الأميركية، جزءًا من علاقة القيادة نفسها التي تشمل النشاط العسكري وشبكات التمويل.
يوسّع ذلك المسافة مع المقاربة الرسمية اللبنانية. ففي 2 آذار الماضي، أعلنت الحكومة اللبنانية حظر الأنشطة العسكرية والأمنية للحزب واعتبرتها خارج القانون، مؤكدة أن قرار الحرب والسلم يعود إلى الدولة. لكنها لم تحظر الحزب سياسيًا أو تسقط تمثيله النيابي، ما أبقى الفصل قائمًا بين نشاط عسكري مرفوض وحضور سياسي يخضع للواقع والتشريعات اللبنانية.
صحيح أنّ واشنطن لا تملك سلطة تغيير الوضع القانوني الداخلي للحزب، لكنّ قرارها المستجدّ يزيد الضغط على الحكومة في ملفات حصرية السلاح والتفاوض والعلاقة مع إيران. فعندما تقول الدولة إنها تضبط القرار الأمني، فيما تربط الولايات المتحدة القرار السياسي نفسه بجهة خارجية، يصبح المطلوب أكبر من إعلان حصر السلاح: إثبات قدرة المؤسسات اللبنانية على منع تحويل الأرض والمال والقرار إلى أدوات في مواجهة إقليمية.
الكلفة عند المصارف وحدود الدولة
إلى جانب ما تقدّم، ينبه بيان الخزانة الأميركية إلى إمكان فرض عقوبات ثانوية على مؤسسات مالية أجنبية تسهّل معاملات مهمة لجهات مصنفة، وصولًا إلى تقييد حسابات المراسلة في الولايات المتحدة. لذلك، لا تقف التداعيات عند الأشخاص العشرة أو الحزب؛ إذ يمكن أن تدفع المصارف وشركات التحويل والصرافة إلى تشديد التدقيق في المعاملات المرتبطة بلبنان، ورفع كلفة التعامل مع اقتصاد تتحرك فيه مبالغ كبيرة خارج القطاع المصرفي.
يتزامن هذا الضغط مع بقاء لبنان على القائمة الرمادية، ومع ترحيب صندوق النقد بتعديلات قانون إصلاح وضع المصارف وإعادة تنظيمها بوصفها خطوة مهمة. غير أن إصلاح المصارف لا يضبط الأموال المنقولة نقدًا عبر الحدود، ولا يعفي الدولة من مراقبة المعابر وشفافية الشركات والصرافة. وهكذا يتسع معنى الإصلاح من إعادة تنظيم القطاع المصرفي إلى قدرة السلطات على تتبع حركة النقد وتحديد المستفيدين الفعليين والتعاون مع الجهات المعنية.
في المحصلة، تتجاوز إعادة الإدراج إضافة حيثية إلى تصنيف أميركي قديم. فواشنطن تنقل النقاش من سؤال من يموّل حزب الله إلى سؤال من يوجّه قراره، ومن ملاحقة الحسابات المصرفية إلى تتبع حامل النقد وشركة الواجهة والمعبر. وبين قرار لبناني يفصل السياسة عن السلاح وقرار أميركي يربطهما بقيادة إيرانية، تواجه الدولة اختبارًا يمس سيادتها وصورتها وعلاقاتها المالية في وقت واحد.