تتصاعد وتيرة المخاوف على الجبهة الجنوبية في لبنان من قيام إسرائيل بشنّ حرب جديدة، مع قرب موعد الانتخابات التشريعية الإسرائيلية. ويبرز مرتفع "علي الطاهر" الاستراتيجي شرق النبطية كعقدة ميدانية وسياسية رئيسية تسعى إسرائيل للسيطرة عليها لتحقيق مكاسب انتخابية، وسط رفض قاطع من "حزب الله" لأي إخلاء للموقع شمال نهر الليطاني، ومن ضمنها تسليمه للجيش اللبناني.
و"حزب الله" ما زال يتمسّك بموقفه الرافض لتسليم "علي الطاهر"، رغم كل الضغط الميداني الذي يتعرّض له الموقع ومحيطه، من محاولات قضم تدريجي، وغارات إسرائيلية جوية، وقصف مدفعي مستمر، إذ يطل على مناطق واسعة ويشرف على النبطية، وكفرتبنيت، وإقليم التفاح، وجبل الريحان، فضلًا عن رمزيته السياسية، كونه يقع شمال نهر الليطاني، وأي إخلاء أو سيطرة عليه تخضع لحسابات تتجاوز الترتيبات المحلية، لتمسّ قواعد الاشتباك التقليدية.
وتؤكد مصادر سياسية لـ"النشرة"، أن المخاوف اللبنانية مشروعة، إذ يُنظر إلى الحرب الجديدة في الجنوب بوصفها أداة يستخدمها المستوى السياسي في إسرائيل، برئاسة بنيامين نتنياهو، لصناعة "صورة إنجاز" تحتاج إليها الحملة الانتخابية، وترفع من رصيده بعد تراجعه، في لحظة إدراك أن الأهداف التي أعلنها من الحروب على مختلف الجبهات لم تتحقق.
ولا تخفي المصادر نفسها مخاوفها من أن المعركة قد لا تتوقف عند حدود السيطرة على التلة، بل تتسع لتشمل هجمات موسّعة وعميقة في إقليم التفاح وجبل الريحان ومناطق أخرى، وصولًا إلى منطقة البقاع، التي ما زالت إسرائيل تعتبرها خزان الحزب الرئيسي ومصدر قوته وملجأ لترسانته العسكرية.
وتشير إلى أن هذه المخاوف تبلغ ذروتها مع تعثّر المسار التفاوضي الدبلوماسي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية، رغم إعلان وزارة الخارجية الأميركية أنها ستكون في مطلع أيلول، من دون تحديد التاريخ، ناهيك عن التراخي في تطبيق بنود اتفاق الإطار المتعلق بانسحاب جيش الاحتلال الإسرائيلي من عدة بلدات في الجنوب كمناطق تجريبية.
الخبير العسكري حلال
ويرجّح الخبير العسكري والاستراتيجي بهاء الدين حلال لـ"النشرة"، أن احتمال جولة تصعيد عسكري جديدة أعلى من احتمال اندلاع حرب شاملة فورية، مشيرًا إلى أن المفاوضات التي جرت في روما مطلع آب انتهت من دون اختراق حاسم، بينما بقي الخلاف حول آلية الانسحاب الإسرائيلي، ودور الجيش اللبناني، وملف سلاح حزب الله.
ويرى أن تلة "علي الطاهر" أخطر نقطة اختبار في المرحلة المقبلة. فالمعلومات المتداولة تشير إلى أن إسرائيل درست عملية للسيطرة على المرتفع، أو على الأقل فرض آلية تتيح للجيش اللبناني دخوله والتحقق من تفكيك البنية العسكرية فيه.
ويرسم حلال سيناريوهات متعددة للجنوب:
1-حرب شاملة 25–30%: لا أستبعدها، لكنها ليست السيناريو الأكثر ترجيحًا؛ لأن إسرائيل تستطيع تحقيق أهداف ضغط سياسية وعسكرية من دون تحمّل كلفة حرب واسعة، ولأن واشنطن ما زالت تملك مصلحة في إبقاء مسار التفاوض مفتوحًا.
2-عملية إسرائيلية محدودة على "علي الطاهر" 50–60%: وهذا هو السيناريو الأكثر خطورة. ضربات جوية مكثفة، ثم محاولة احتلال موضعي أو السيطرة على القمم والممرات المحيطة، بهدف تحويل المرتفع إلى ورقة تفاوضية قبل استئناف المسار السياسي. وتؤكد التقارير الحديثة أن "علي الطاهر" أصبح بالفعل محورًا للخلاف الإسرائيلي – اللبناني.
3-استمرار الضغط من دون اجتياح: وهو احتمال قائم بقوة، أي استمرار القصف والاغتيالات والضغط الاستخباري، مع استخدام التهديد بالعملية البرية لإجبار بيروت و"حزب الله" على تقديم تنازلات.
ويرجّح أن يكون رد "حزب الله" مرتبطًا بشكل الضربة الإسرائيلية. فإذا كان الهجوم تكتيكيًا ومحدودًا على مواقع في "علي الطاهر"، فقد يميل الحزب إلى رد محسوب يحافظ على معادلة الردع من دون فتح حرب واسعة. وهذا يتناسب مع منطق الردع المتدرّج: الرد بما يكفي لإثبات القدرة، ولكن ليس بما يكفي لإعطاء إسرائيل ذريعة استراتيجية للتصعيد.
ويضيف: أما إذا حاولت إسرائيل احتلال المرتفع فعليًا وإعادة رسم الواقع الميداني شمال الليطاني، فسيصبح الأمر مختلفًا. عندها قد ينتقل "حزب الله" من الدفاع عن موقع إلى إعادة بناء معادلة ردع أوسع، وقد تشمل صواريخ ومسيّرات باتجاه أهداف عسكرية ومناطق في شمال إسرائيل.
ويردف لكنني لا أرى أن الانتقال مباشرة إلى استهداف واسع للعمق الإسرائيلي والمستوطنات هو الخيار الأول للحزب، لأن ذلك يعني عمليًا الانتقال من معركة على مرتفع استراتيجي إلى حرب مفتوحة، وهو قرار له كلفة هائلة على لبنان وعلى الحزب نفسه.
ويختم: "علي الطاهر" قد يتحول إلى "اختبار حرب"، وليس مجرد هدف عسكري. إسرائيل تريد من خلاله اختبار قدرة "حزب الله" على الرد، وقدرة الجيش اللبناني على ملء الفراغ، وقدرة واشنطن على فرض تسوية. ولذلك، فإن أخطر لحظة ليست بالضرورة لحظة بدء الهجوم، بل لحظة تحديد سقف الرد.