لم يعد ارتفاع الأسعار في لبنان يُقاس فقط بما يدفعه المستهلك في السوبرماركت، فالكلفة التي تتحمّلها الأسرة باتت موزّعة على سلسلة طويلة من الفواتير، تمتد من الغذاء والنقل والسكن إلى الكهرباء والمياه والتعليم، في وقت يضطر فيه اللبناني إلى دفع ثمن بعض الخدمات الأساسية مرتين: مرة للدولة، ومرة أخرى لتأمين البديل عنها.
وتظهر هذه الصورة في دراسة أعدّها الخبير الاقتصادي وليد أبو سليمان، تقارن معدلات التضخم بين لبنان والأردن استنادًا إلى البيانات الرسمية لشهر نيسان 2026. فعلى الرغم من أوجه التشابه بين اقتصادي البلدين، ولا سيما الاعتماد على الاستيراد والتأثر بأسعار الطاقة والصدمات الإقليمية، تكشف الأرقام عن فجوة كبيرة في معدلات التضخم.
تضخم 8 أضعاف عن الأردن
بحسب الدراسة، بلغ معدل التضخم السنوي في لبنان 20% في نيسان، مقابل 2.49% في الأردن، أي ما يعادل نحو ثمانية أضعاف.
وتتّسع الفجوة أكثر عند تفصيل القطاعات، إذ سجّل قطاع النقل ارتفاعًا بنسبة 33.3% في لبنان، مقابل 3.32% في الأردن، فيما بلغت نسبة التضخم في قطاع السكن والمياه والكهرباء والغاز 26.3% في لبنان، مقابل 2.97% في الأردن.
أما الغذاء والمشروبات غير الكحولية، فسجّلت ارتفاعًا بنسبة 18% في لبنان، مقابل 2.45% في الأردن، في حين بلغت النسبة في المطاعم والفنادق 16%، مقابل 1.31%.
وسُجّلت الفجوة الأكبر في قطاع الترفيه والثقافة، حيث بلغ التضخم 42.2% في لبنان، مقابل 1.55% فقط في الأردن.
اللبناني وغياب الخدمات
ويشير أبو سليمان، في حديثه إلى «النشرة»، إلى أنّ المشكلة تكمن في أنّ «التضخم في لبنان كبير، وكبير جدًا»، وهو لا يقتصر على ارتفاع أسعار السلع، بل يرتبط أيضًا بكلفة الخدمات التي يتحمّلها المواطن مباشرة من جيبه.
ويضرب مثالًا بالمياه، إذ يدفع اللبناني فاتورتها للدولة، ثم يضطر إلى شراء المياه بواسطة الصهاريج لتغطية النقص. ويتكرر الأمر نفسه مع الكهرباء، حيث تُضاف فاتورة المولد الخاص إلى كلفة الكهرباء الرسمية.
ولا تتوقف الضغوط عند هذا الحد، فأبو سليمان يشير أيضًا إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، فيما تضاف إلى موازنة الأسر، مع اقتراب العام الدراسي، أعباء الأقساط والكتب والنقل وغيرها من النفقات.
ويلفت كذلك إلى ارتفاع الرسوم والضرائب على المنتجات في لبنان، في ظل ضعف الرقابة الفعلية على الأسواق وغياب الدور الفاعل لجهات حماية المستهلك.
ارتفاع كلفة المعيشة
من جهته، يؤكد الباحث محمد شمس الدين، في حديثه إلى «النشرة»، أنّ ارتفاع كلفة المعيشة بات يشمل كل شيء تقريبًا، من السكن والنقل والكهرباء إلى الغذاء والخدمات.
وبحسب شمس الدين، ارتفعت كلفة المعيشة منذ بداية السنة بنسبة تصل إلى نحو 33%، فيما ارتفعت أسعار السلع بنحو 13%.
ويقدّر أنّ الأسرة المؤلّفة من أربعة أفراد تحتاج إلى حد أدنى يقارب 1200 دولار شهريًا لتغطية احتياجاتها، مقابل نحو 900 دولار في بداية العام.
ولا تكمن أهمية هذا الرقم في اعتباره كلفة ثابتة تنطبق على جميع الأسر، بل في إظهاره سرعة ارتفاع الأعباء، إذ تختلف النفقات الفعلية بحسب كلفة السكن والتعليم والصحة والنقل وغيرها.
لماذا ترتفع الأسعار رغم استقرار الدولار؟
تطرح المقارنة مع الأردن السؤال الأبرز: لماذا يستمر التضخم في لبنان بهذه الوتيرة، رغم الاستقرار النسبي لسعر الصرف؟
فالتعرّض للاستيراد والصدمات الخارجية لا يبدو كافيًا وحده لتفسير هذه الفجوة. إذ تبرز عوامل داخلية عدّة، تبدأ من كلفة التشغيل والخدمات، ولا تنتهي بالضرائب والرسوم وآليات التسعير وهوامش الأرباح وضعف المنافسة والرقابة.
وهكذا، تتجاوز أزمة التضخم مجرّد ارتفاع الأسعار. فالمواطن يدفع أكثر مقابل الغذاء والنقل والتعليم، وفي الوقت نفسه يتحمّل من دخله كلفة تأمين بدائل لخدمات أساسية يفترض أن تكون متاحة بصورة منتظمة.
ويبقى السؤال: من يراقب الأسعار وآليات التسعير؟ وإلى أي حد تستطيع الأسر الاستمرار في تحمّل ارتفاع كلفة الحياة إذا لم ترتفع مداخيلها بالوتيرة نفسها؟.
























































