الرسم البياني لعدد ضحايا حوادث السير في لبنان خلال السنوات القليلة الماضية يُظهر خطًا تصاعديًا خطيرًا في إجمالي الحوادث، وما ينتج منها من قتلى وجرحى. والعام 2026 الحالي يسير في الاتجاه نفسه مع تسجيل سقوط 199 قتيلًا و1639 جريحًا خلال النصف الأوّل منه. فهل هذا الأمر طبيعي ويجب التسليم به، أم توجد أسباب يُمكن تجنّبها ومخالفات يجب قمعها، وأين دور قوى الأمن الداخلي في هذا الصدد؟
في العام 2022 بلغ عدد القتلى بسبب حوادث السير على الطرقات اللبنانية ما مجموعه 359 ضحية، إضافة إلى 2366 جريحًا. وفي العام 2023 تصاعد الرقم الإجمالي ليبلغ 439 قتيلًا و2726 جريحًا. واستمر هذا المنحى التصاعدي مع 433 قتيلًا و2655 جريحًا في العام 2024، ومع 486 قتيلًا و3550 جريحًا في العام 2025. يُذكر أنّ هذه الإحصاءات ليست دقيقة مئة في المئة لأنها تتم في يوم وقوع الحوادث، ولا تتابع حالات وفاة الجرحى في المستشفى بعد فترة زمنية معيّنة. وبالتالي، مع نحو 500 قتيل سنويًا على الطرقات في بلد صغير مثل لبنان، يُعدّ الرقم كارثيًا، ولا يجب التسليم به كقدر محتوم. وإذا كان بعض السائقين المتهوّرين غير مبالين بأرواحهم، فإنّ من واجب الدولة، عبر أجهزتها الأمنية المعنية، توفير الحماية للسائقين الذين يلتزمون بقوانين السير، ومن معهم داخل سياراتهم، من أولئك المتهوّرين الذين يضربون عرض الحائط بكل القوانين.
صحيح أن تردّي البنى التحتيّة يُعدّ من بين أبرز مُسبّبات الحوادث في لبنان، لجهة سوء حال الإسفلت، وكثرة الحفر، وغياب الحواجز المعدنية الجانبية والفواصل النصفية، وعدم إنارة المسارات في الليل، والنقص الفادح في الإشارات التوجيهية، لكنّ الأصحّ أنّ العامل البشري هو المُسبّب الأوّل. وفي هذا السياق، يمكن تعداد ما يلي:
أوّلًا: تُعدّ السرعة الزائدة المُسبّب الأوّل الرئيسي لارتفاع عدد حوادث السير على الطرقات في لبنان، وما ينتج منها من ضحايا وأضرار.
ثانيًا: يأتي عامل الإلهاء وتشتيت الانتباه عن المسار في المرتبة الثانية، نتيجة استخدام الهواتف الذكية وتصفّحها في أثناء القيادة، الأمر الذي يُفقد تركيز السائق على الطريق.
ثالثًا: لا تقلّ عوامل القيادة بتهوّر، والتحرّك بعكس وجهة السير، والقيام بمناورات تجاوز في مسارات ضيّقة ومتعرّجة، وعدم الالتزام بشروط القيادة السليمة، وعدم تأمين المسار قبل الدخول إلى الطرقات الرئيسة، والتوقّف بشكل مفاجئ وسط الطريق، وغيرها من المخالفات، خطورة عن السرعة المُفرطة وغياب التركيز.
رابعًا: تلعب أيضًا العوامل الجسدية دورًا في رفع عدد الحوادث، لجهة القيادة تحت تأثير الكحول، وعدم التوقّف للراحة عند الشعور بالتعب والإرهاق، ناهيك عن عدم ربط حزام الأمان.
خامسًا: تُفاقم ظاهرة قيادة الدرّاجات بشكل عشوائي وعدم التقيّد بأبسط معايير السلامة، لجهة عدم ارتداء خوذة الحماية، والتجاوز من جهة اليمين، والقيام بمناورات إلى اليمين واليسار، إلخ. عدد الحوادث.
سادسًا: التهرّب من القيام بالصيانة الدَورية للآليات، لجهة الكشف على مدّة صلاحية المكابح والإطارات، خصوصًا الشاحنات التي يتسبّب انزلاق أي منها بحوادث مميتة، على غرار ما حصل الأسبوع الماضي عند مفرق سبلين - وادي الزينة في منطقة الشوف، عندما تدهورت سيارة من فئة "بيك آب" حاصدة أكثر من 20 شخصًا بين قتيل وجريح!
وبالتالي، نعم على قوى الأمن الداخلي والمفارز الميدانية المُخصّصة لتأمين السلامة المرورية على الطرقات العمل بجهد أكبر لفرض تطبيق قانون السير، وقمع المخالفات. وعلى الرغم من أن قوى الأمن تُصدر بيانات دورية بأنها تقيم حواجز، وتُسيّر دوريات، وتنشر العناصر لفرض القانون، فإنّ هذا الجهد غير كاف، وهو ناقص مُقارنة بما كان يحصل في سنوات سابقة، لمس فيها اللبنانيون حُضورًا قويًا لقوى الأمن على مختلف التقاطعات والطرقات الرئيسة. ومن غير المفيد التلطّي خلف نقص العديد لتبرير هذا التقصير، حيث يمكن تفادي الكثير من الحوادث والمشاكل على الطرقات بعنصر واحد.
وفي هذا السياق، كل يوم أحد بعد الظهر، يصدر عن غرفة التحكم المروري في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي بيان يُذكّر بأن اتجاه السير على الطريق البحري يتحوّل من جهة الشمال نحو بيروت اعتبارًا من الساعة الثالثة من بعد الظهر، لكنّ مجموعة لا بأس بها من السائقين تخالف هذا القرار، وتدخل إلى الخط البحري من منطقة الكرنتينا وتقود عكس السير في اتجاه الشمال، في ظل غياب أي عنصر لقمع هذه المخالفات. وهذا ما ألمسه شخصيًا بسبب اعتمادي هذا الطريق بشكل دوري يوم الأحد بعد الظهر. وتصل جرأة السائقين المخالفين المُطمئنين لغياب أي عقاب، إلى حد النزول من السيارة وإزاحة الحاجز (البلوك) البلاستيكي الفارغ من المياه الذي يوضع في مدخل الخط البحري في منطقة الكرنتينا، وفتح الطريق ذاتيًا، غير آبهين بسلطة الدولة وبقوانينها. فهل يُعقل أنّ مسارًا حيويًا بهذه الأهمية لا يكون مؤمنًا بعناصر دائمة على الطريق لقمع المخالفات، وهل يُعقل أن لا يتم تثبيت حاجز معدني مُتحرّك، يتم التحكم به كهربائيًا عن بُعد إذا أمكن، أم يدويًا من قبل عناصر مفارز السير، عند مداخل الطريق البحري لقمع المخالفين. وهذا مثال واحد من مئات الأمثلة، علمًا أنّ الطريق البحري يُعتَمد من عشرات آلاف السائقين ذهابًا وإيابًا طوال أيّام الأسبوع، حتى في يوم الأحد.
في الخلاصة، البنى التحتية سيئة نعم، والكثير من السائقين اللبنانيين يُخالفون قوانين السير ويفتقرون إلى الحد الأدنى من أخلاق القيادة الآمنة نعم، لكن على وزير الداخلية أحمد الحجّار أن يُعطي أوامره للتشدّد في تطبيق قوانين السير، وعلى عناصر قوى الأمن الداخلي بذل مجهود أكبر لقمع المخالفين، حتى لو أنّ الغرامات المالية لا تزال غير موجعة كما هي الحال في الدول المُتحضّرة، وهذا التقصير يعود إلى المُشرّعين في المجلس النيابي. فأرواح الكثير من مُستخدمي السيارات على الطرقات مُعرّضة لخطر شديد من قِبَل فئة من السائقين المتهوّرين التي يجب معاقبتهم بيد من حديد.





















































