جاء اللقاء الإسرائيلي–السوري الأخير في الأردن، بعد العدوان الإسرائيلي على مطار أبو الظهور، في لحظة تتقاطع فيها ثلاثة مسارات متوازية: مسار التفاوض الأمني بين دمشق وتل أبيب، ومسار إعادة بناء الدولة والجيش السوري، ومسار الصراع المتصاعد بين إسرائيل وتركيا على النفوذ في سوريا. ولذلك، فإن أهمية اللقاء تكمن في أنه كشف بوضوح أن مستقبل سوريا بات ساحة تفاوض على شكل النظام الإقليمي الجديد في المشرق.
بحسب المعلومات، ركز اللقاء على وقف الضربات والعمليات الإسرائيلية داخل سوريا، وإعادة إحياء المفاوضات حول اتفاق أمني يمكن أن يشكل لاحقًا أساسًا لتفاهم أوسع. كما بحث الطرفان، بصورة غير مباشرة، كيفية منع التوتر الإسرائيلي–التركي من التحول إلى مواجهة على الأراضي السورية.
لكن إسرائيل لا تكتفي بذلك، فهي تريد أولاً سوريا لا تشكل تهديدًا عسكريًا مباشرًا لها، وثانيًا سوريا لا تسمح بعودة بنية عسكرية إيرانية أو شبكات تسليح مرتبطة بإيران وحزب الله، وثالثًا سوريا لا تتحول إلى منصة لقوة إقليمية أخرى، وتحديدًا تركيا، تسمح بإعادة بناء جيش سوري يمتلك قدرات نوعية أو بنية عسكرية يمكن أن تغير ميزان القوى.
وهنا تحديدًا تكمن العقدة الأساسية. فإسرائيل التي اعتادت التعامل مع سوريا خلال عهد بشار الأسد باعتبارها جزءًا من محور تقوده إيران، باتت أمام نظام جديد يحاول بناء جيش ومؤسسات، وتركيا تتحول إلى الشريك الخارجي الأكثر تأثيرًا في إعادة بناء هذه المؤسسات. وبالتالي، فإن السؤال الإسرائيلي أصبح: كيف نمنع تركيا من ملء الفراغ الذي تركته إيران؟
الغارة على أبو الظهور تقدم نموذجًا واضحًا لهذا التفكير. إسرائيل استهدفت قاعدة سورية في شمال البلاد، بعيدًا نسبيًا عن حدودها، بعدما رأت أن هناك احتمالًا لاستخدامها في إطار حضور عسكري تركي. وقد وصفت تقارير متعددة الضربة بأنها رسالة إلى دمشق وأنقرة معًا، مفادها أن إسرائيل لن تقبل بقيام بنية عسكرية تركية متقدمة في سوريا من دون أن تأخذ مصالحها الأمنية في الاعتبار.
وهذا يعني أن إسرائيل تريد من أي اتفاق أمني مع دمشق قيودًا تتجاوز الجنوب السوري. فبحسب المعلومات، هي تريد آلية تضمن لها معرفة طبيعة الانتشار العسكري السوري، ومراقبة التطور في القدرات الصاروخية والجوية والدفاعات الجوية، ومنع إنشاء قواعد أو منشآت عسكرية أجنبية تعتبرها إسرائيل تهديدًا، إضافة إلى ضمان استمرار حرية التحرك الإسرائيلي في سوريا وفي سمائها.
لكن دمشق تريد أن يؤدي الاتفاق إلى انسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي التي سيطرت عليها بعد سقوط النظام السابق، والعودة إلى ترتيبات عام 1974، ووقف الضربات والعمليات الإسرائيلية. وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني قال إن الأولوية السورية هي وقف الهجمات واتخاذ إجراءات لبناء الثقة، بينما تحدثت دمشق عن انسحاب إسرائيلي من الأراضي السورية.
أما تركيا، فهي الطرف الذي يجعل هذه المعادلة أكثر تعقيدًا. فأنقرة تنظر إلى سوريا باعتبارها جزءًا من مجالها الأمني والاستراتيجي، وهي تعمل على دعم المؤسسات السورية وإعادة بناء القدرات العسكرية والأمنية، وقد أعلنت مع دمشق عن تعزيز التعاون الدفاعي ومكافحة الإرهاب.
لذلك، من الصعب أن تقبل تركيا بأن يتحول الاتفاق الإسرائيلي–السوري إلى آلية تمنح إسرائيل حق تحديد حجم الجيش السوري أو نوعية تسليحه أو طبيعة التعاون العسكري بين دمشق وأنقرة. وهذا تحديدًا ما يجعل الخلاف الإسرائيلي–التركي أعمق من حادثة أبو الظهور.
تركيا، في المرحلة المقبلة، على الأرجح لن تذهب مباشرة إلى مواجهة عسكرية مع إسرائيل. فالأولوية التركية ستكون تثبيت وجودها داخل سوريا سياسيًا وعسكريًا، وتسريع بناء علاقة مؤسساتية مع دمشق، مع إنشاء قنوات لمنع الاحتكاك المباشر مع إسرائيل. فالولايات المتحدة نفسها تعمل على آلية لمنع سوء التفاهم بين تركيا وإسرائيل وسوريا، بعدما كادت ضربة أبو الظهور أن تؤدي إلى مواجهة مباشرة بين أنقرة وتل أبيب.
لكن عدم الذهاب إلى الحرب لا يعني التراجع. فتركيا سترد على الأرجح عبر توسيع التعاون الدفاعي مع دمشق، وزيادة التدريب والمشورة العسكرية، ودعم إعادة بناء الجيش السوري، مع محاولة تحويل أي وجود تركي في سوريا إلى وجود رسمي مرتبط بالدولة السورية.
وفي المقابل، ستستمر إسرائيل في اختبار الحدود التي تستطيع تركيا ودمشق فرضها عليها. فإذا شعرت تل أبيب أن الجيش السوري يعاد بناؤه بصورة تتجاوز ما تعتبره مقبولاً، أو أن تركيا تنشئ في سوريا بنية عسكرية متقدمة، فمن المرجح أن تعود إلى الضربات المحدودة والاستهدافات النوعية.
لذلك، كلما اقتربت سوريا من بناء مؤسساتها وجيشها، ازداد احتمال احتكاكها بإسرائيل. وكلما تعزز الدور التركي في إعادة بناء سوريا، ازدادت حساسية إسرائيل تجاه هذا المسار. وفي الوقت نفسه، كلما زادت الضغوط الإسرائيلية، أصبحت دمشق أكثر حاجة إلى تركيا، وكلما اقتربت دمشق أكثر من أنقرة، ازدادت المخاوف الإسرائيلية.




















































