لم تعد المواجهة الأميركية–الإيرانية تُقاس بحجم الضربات العسكرية بقدر ما تُقاس بقدرة كل طرف على تحويل الزمن إلى مصدر ضغط على الآخر (إنها لعبة عض الأصابع في جولة جديدة). فواشنطن انتقلت من محاولة إضعاف إيران بالقوة إلى استنزاف قدرتها على مواصلة الحرب، بينما اختارت طهران تحمّل الانكماش الداخلي ورفع كلفة المواجهة خارج حدودها.
لذلك، لجأ الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استراتيجيته المفضلة التي يعرف قواعدها وشروطها أكثر بكثير مما يعرفه عن قواعد وشروط القوة العسكرية. ويبقى السؤال: هل ينجح في ذلك؟
المنطق يشير إلى أنه يمكن للعزل الاقتصادي إضعاف إيران بشدة، لكنه لا يضمن تحويل الضغط إلى تنازل سياسي، خصوصًا مع الجمهورية الإسلامية التي تُعتبر الأكثر حنكة في التعامل مع مثل هذه الحالات، نظرًا إلى تجاربها السابقة. صحيح أن اقتصادها كان يعاني أصلًا من التضخم وتراجع العملة، قبل أن تضيف الحرب أضرارًا إلى البنية التحتية وصادرات النفط، ولكن لا يبدو أن القيادة الإيرانية مستعدة لتقديم تنازلات تمس بقاء النظام أو جوهر قدراته. ويكفيها الحفاظ على مؤسسات الدولة وأجهزتها الأمنية وتأمين الحد الأدنى من الوقود والغذاء والعملة الصعبة للاستمرار. كما أن شبكة اتصالاتها الخارجية، وفي مقدمتها الصين، غالبًا ما كانت خشبة الخلاص. وبالتالي، فإن المطلوب من طهران ليس تجاوز العقوبات بالكامل، بل إبقاء قنوات محدودة للبيع والدفع والنقل والتجارة. وكلما استمرت هذه القنوات، خفّ مفعول الضغط الأميركي.
وفي مقابل الفعل الأميركي، كيف سيكون رد الفعل الإيراني؟ أصبح واضحًا أن مضيق هرمز بات أداة ضغط على التجارة والطاقة العالمية، وليس مجرد ورقة عسكرية. وليس من الضروري أن يبقى مغلقًا بصورة كاملة (كما هو الوضع حاليًا) لتتصاعد تكاليف التأمين والشحن، وتتسع علاوة المخاطر على النفط والغاز، فتتحول كلفة العقوبات من الاقتصاد الإيراني فقط إلى المستهلكين والشركات والدول المستوردة للطاقة. ومن الطبيعي عندها أن يكون الخليج الطرف الأكثر تعرضًا للخسارة. وقد تتحمل الدول المنتجة للنفط ارتفاع أسعاره لفترة، لكن اقتصادها الحديث يعتمد على الاستقرار والانفتاح بقدر اعتماده على عائدات الطاقة. لذلك، ستزداد، مع طول الأزمة، مصلحة هذه الدول في تسوية توقف التصعيد من دون أن تمنح أي طرف انتصارًا مطلقًا.
أما بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فإن نقطة الضعف الأساسية ليست عسكرية بل سياسية، واسمها الوقت. فتستطيع طهران التفكير بمنطق الصمود لأشهر إضافية، بينما يدخل الرئيس الأميركي موسمًا انتخابيًا يحتاج فيه إلى نتيجة قابلة للتسويق للناخب، مهما قال علنًا إنه يفصل بين الانتخابات واستراتيجيته ضد إيران. فإذا أدى الضغط إلى اتفاق قبل الانتخابات النصفية، يستطيع تقديم هذا "الإنجاز" باعتباره ثمرة مباشرة لسياسة القوة. أما إذا بقيت العقوبات والحرب من دون تسوية، فإن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف المعيشة قد يقلبان اتجاه الضغط، وما كان مفترضًا أن يخنق إيران يمكن أن يتحول إلى عبء داخلي على الإدارة الأميركية الحالية، ناهيك عن ضغط الحلفاء من كل صوب.
لذلك، لا يبدو أن الغاية الأكثر واقعية للعزل الاقتصادي هي إسقاط النظام الإيراني أو انتزاع استسلام شامل منه. الأرجح أن واشنطن تسعى إلى تحقيق مكسب ما، حتى إنها وضعت عنوانًا واحدًا لحربها (في الفترة الأخيرة، لأن العناوين تغيرت كثيرًا)، وهو عدم امتلاك إيران السلاح النووي. وهو هدف قد تجده طهران مقبولاً وثمنًا زهيدًا مقابل استمرارها وعودتها إلى الساحة، كما أنها تضمن بذلك إظهار قوتها ونجاحها في منع تحقيق انتصار أميركي واضح.
إن الصورة الحالية ليست غامضة بل منقسمة فعليًا: إيران تريد شراء الوقت لتحمل الضغط، وترامب يحتاج إلى نتيجة قبل الانتخابات، ودول الخليج تريد استعادة الاستقرار، والاقتصاد العالمي يريد تجنب استنزاف احتياطيات الطاقة. لذلك تبدو التسوية المرحلية أكثر ترجيحًا من الحسم، وقد يكون الرهان على سقوط أحد الطرفين مجرد رهان خاسر، وفقًا للأسباب والظروف التي سبق ذكرها (وهناك أسباب أخرى طبعًا)، فيما يتصارع الاثنان على عامل الوقت الذي يبدو أنه هذه المرة هو السلاح الأكثر إيلامًا.























































