على وقع التحوّلات والاضطرابات السياسية والعسكرية في المنطقة، تتقدّم بعض المشاريع الاقتصادية التي قد تُحدث زلزالًا على المستوى الاستراتيجي، ولا سيما تلك المرتبطة بمساعي عدد من الدول الإقليمية الفاعلة إلى إنشاء ممرات برية تقلّل الاعتماد على الممرات البحرية، وتحديدًا مضيق هرمز والبحر الأحمر، بعد التداعيات التي فرضتها الحرب على إيران.
وفي قلب هذه المشاريع، يبرز مشروع إحياء سكك الحديد بين طرابلس والحدود السورية، الذي دخل عمليًا مرحلة التحديث والتصميم والمناقصة. ففي أيار الماضي، وقّع وزير الأشغال العامة والنقل فايز رسامني وثائق مناقصة تحديث وتصميم خط طرابلس – العبودية، بطول يقارب 35 كيلومترًا، بهدف إعادة وصل مرفأ طرابلس بالشبكة السورية.
وأُعلن، هذا الأسبوع، بعد زيارة الوزير إلى دمشق، عن الاتفاق على تفعيل الربط السككي بين البلدين، وتشكيل فريق فني مشترك لدرس المسارات والخطوات التنفيذية.
وبالنسبة إلى مصادر مطّلعة، فإن أهمية المشروع لا تكمن في السكة اللبنانية وحدها، نظرًا إلى أنّه يأتي بالتزامن مع الحديث عن إعادة بناء شبكة النقل السورية، وخطة الربط السككي السعودية–الأردنية–السورية–التركية. فقد وقّعت الرياض وأنقرة، في حزيران الماضي، مذكرات تفاهم لتطوير الربط السككي والخدمات اللوجستية بين البلدين عبر الأردن وسوريا، فيما وقّعت دمشق والرياض، أمس، مذكرتي تفاهم لتعزيز التعاون بينهما في مجالي النقل واللوجستيات، تشملان تطوير التعاون في النقل البري والسككي.
ومن وجهة نظر المصادر نفسها، يرفع هذا التحوّل من أهمية مرفأ طرابلس، حيث تُطرح مشاريع لتوسعة محطة الحاويات وتعميق المرفأ، وتطوير المنطقة الحرة والبنية اللوجستية وتعزيز الرقمنة. وتلفت إلى أنّ تلاقي الاستثمارات في المرفأ مع إعادة تأهيل السكة الحديدية والربط السوري يفتح الباب أمام تحوّل عاصمة الشمال إلى منفذ متوسطي لشبكة تمتد من الخليج والسعودية إلى الأردن وسوريا وتركيا، وهو ما يمنح لبنان وزنًا جيوسياسيًا جديدًا ضمن منظومة الممرات الإقليمية.
وفي هذا السياق، من الضروري التشديد على أنّ سوريا هي الحلقة التي تمنح المشروع قيمته الجيوسياسية، إذ إن الخط اللبناني تحديدًا لا يكتسب أهميته الاستراتيجية إلا إذا أُعيد وصل الجانب السوري بالشبكة الإقليمية. وهذا المسار بدأ يكتسب زخمًا خلال عام 2026، مع تحرّك دمشق لإعادة تأهيل شبكات النقل والسكك وربطها بتركيا والأردن والعراق.
وتسعى سوريا إلى إعادة بناء موقعها بوصفها ممرًا للنقل والطاقة بين الخليج والبحر المتوسط وتركيا، بالتوازي مع مشاريع لإحياء خطوط السكك القديمة وممرات الطاقة.
وفي الوقت الراهن، تشدّد المصادر المطلعة على أنّ الحديث عن المشروع لا يمكن أن يتجاهل التحديات والمخاطر، ولا سيما أنّ النظام الإقليمي لا يزال في مرحلة إعادة تكوين، بعد التحوّلات التي شهدها المشهد في السنوات الماضية.
وتوضح أنّ السعودية وتركيا تشكّلان المظلّة الإقليمية لهذا المسار، خصوصًا أنّ المشروع المشار إليه يعيد إحياء جزء من المنطق التاريخي لسكة الحجاز، ولكن ضمن شبكة تجارية حديثة تستهدف نقل البضائع وربط الأسواق، بدلًا من الوظيفة العسكرية أو الإدارية التي أدّتها الخطوط القديمة.
وفي هذا المجال، تلفت المصادر نفسها إلى أنّ طرابلس لا تقع على المسار السعودي – التركي المباشر، لكنها تقع على ساحل البحر المتوسط وقريبة من البوابة السورية الشمالية، ما يسمح لها، نظريًا، بأن تكون امتدادًا بحريًا للمحور البري بدل أن تكون منافسة له.
وهو ما يفسّر الاهتمام بها من قبل الدولتين، مع العلم أنّ أنقرة تنظر إلى إعادة بناء شبكة النقل في سوريا باعتبارها جزءًا من استراتيجية أوسع لتعزيز اتصالها بالشرق الأوسط، وليس مجرد مسألة سورية داخلية.
وفي المحصّلة، تؤكد هذه المصادر أنّ التعامل مع المشروع يجب ألّا ينطلق من فرضية أنّه أصبح واقعًا تنفيذيًا، نظرًا إلى أنّ ضخّ كمّ هائل من الاستثمارات يتطلب حدًا أدنى من الاستقرار الأمني، وهو ما لا يزال غير متوافر.
ومع ذلك، فإن جزءًا من طرح هذه المشاريع يأتي ضمن رؤية تعتبر أنّ المشروعات الاقتصادية الكبرى قد تساهم في معالجة بعض المشكلات العالقة. لكن ذلك لا يلغي ضرورة أخذ الدور الإسرائيلي في الحسبان، على اعتبار أنّ تل أبيب لن تقبل بسهولة بمشاريع لا تكون جزءًا منها، في ظل رهانها على مشروع الممر الهندي –الشرق أوسطي– الأوروبي.






















































