خلال الأشهر القليلة الماضية، أكد حزب الله مرارًا، على لسان أمينه العام الشيخ نعيم قاسم وأبرز قياداته ومسؤوليه، أن "لا عودة إلى مرحلة ما قبل الثاني من آذار"، في إشارة إلى رفض التعايش مع قواعد الاشتباك السابقة التي فرضتها إسرائيل في المرحلة الأخيرة. لكن الواقع على الأرض يَشي بغير ذلك، حيث أن الخروقات الإسرائيلية آخذة بالتمادي يومًا بعد يوم دون أي رد، باستثناء إطلاق مسيّرة أو اثنتين بين الحين والآخر كلما جرى رصد أي تقدّم لقوات الاحتلال نحو تلال "علي الطاهر". فما الذي حصل، وهل أخطأ "الحزب" في الحسابات مرة جديدة؟
بداية، لا بدّ من التذكير أنه عندما جرى تطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية اعتبارًا من فجر السابع والعشرين من تشرين الثاني 2024، ظنّ "الحزب" أن ما سيحصل بعد ذلك سيكون مشابهًا لما جرى بعد انتهاء حرب العام 2006. لكن إسرائيل التي انسحبت فعلًا من بعض المناطق التي كانت قد سيطرت عليها، أبقت احتلالها على بعض النقاط الحدودية الاستراتيجية، وراحت تقوم بشكل شبه يومي بتنفيذ غارات وكذلك عمليات اغتيال ضد ناشطين من "الحزب" بذريعة تشكيلهم خطرًا على قواتها. ومع فشل لجنة المراقبة الدولية (الميكانيزم) في وقف الخروقات الإسرائيلية، وبعد أن تحمّل "حزب الله" 15 شهرًا من الاعتداءات التي أوقعت مئات الشهداء والجرحى في صفوفه وبين المدنيين، أطلق في الثاني من آذار من العام الحالي سلسلة عمليات هجومية إسنادًا لمعركة إيران مع أميركا وإسرائيل، ودخل في حرب أخرى مع الإسرائيليين انتهت بنتيجة عكسية تمثلت في خسارة نحو ستين قرية وبلدة جنوبية، وبالموافقة على مضض على اتفاق جديد لوقف الأعمال العدائية في نيسان الماضي.
لكن إسرائيل عمدت، كالعادة، إلى عدم احترام توقيعها وتعهداتها، وواصلت التدمير الممنهج للمناطق التي تحتلها، وراحت بشكل تصاعدي تزيد من خروقاتها عبر الغارات التي تستهدف قرى وبلدات مجاورة لما يُعرف باسم "الخط الأصفر". وكما فشلت لجنة "الميكانيزم" في وقف الخروقات الإسرائيلية السابقة، لم ينجح توقيع الاتفاق الإطاري الثلاثي بين لبنان وإسرائيل برعاية أميركية في واشنطن بتاريخ 26 حزيران 2026، في الحؤول دون مواصلة إسرائيل اعتداءاتها على الجنوب والجنوبيين، ورصدها الجوي لكل التحركات من الضاحية وبيروت الكبرى إلى محافظة البقاع، إضافة إلى كامل الجنوب بطبيعة الحال. وأمام تمادي قوات الاحتلال في غاراتها التي تتكثف ليلًا على قرى وبلدات الجنوب، بموازاة استمرار عمليات التفجير والجرف والتدمير الممنهج، يمكن القول إن "حزب الله" أخطأ في حساباته مرة جديدة! وفي هذا السياق، يمكن تعداد ما يلي:
أولاً: راهن في العامين 2023 و2024 على أن إسرائيل لن تدخل في حرب كبرى معه، وستتعامل مع خروقاته الحدودية بعمليات قتالية محدودة السقف والنطاق الجغرافي، ليتفاجأ بشن الإسرائيليين حربًا ساحقة تمكنت خلالها من النيل من الجزء الأكبر من قيادته وبنيته التحتية العسكرية.
ثانيًا: راهن في ربيع العام 2026 على أن عملية "العصف المأكول" التي أطلقها ستنتهي بإعادة فرض قواعد الاشتباك والردع مع إسرائيل، لكن النتيجة جاءت كارثيّة، حيث عاد الاحتلال إلى قسم غير قليل من الجنوب، وبقيت الخروقات الإسرائيلية متواصلة، ولو أنها انحسرت إجمالًا عن البقاع والضاحية.
ثالثًا: راهن على أن المسار السياسي بين الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الإسلامية في إيران سيقود بسرعة إلى وقف كل العمليات العسكرية الإسرائيلية وإلى انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من الجنوب، لكن تبيّن أن الصراع بين واشنطن وطهران متشعب ومساره بطيء، في ظلّ عمليات شدّ حبال مفتوحة بين الفريقين، ومراوحة بين المناورات الأمنية والضغوط الاقتصادية والجولات السياسية الصعبة، من دون سقف زمني واضح.
وحاليًا، يمكن القول إن أهالي القرى والبلدات المحتلة دفعوا الثمن الأكبر لهذه الحسابات غير الدقيقة، حيث خسروا حق العودة إلى مناطقهم لفترة زمنية تبدو حاليًا طويلة جدًا، ما لم تحصل مفاجآت كبرى على الصعيدين المحلي والإقليمي. وحتى أهالي باقي المناطق الجنوبية المحاذية للخط الأصفر يدفعون اليوم ثمن حال عدم الاستقرار، حيث يتعايشون في المرحلة الراهنة مع خروقات قوات الاحتلال التي أخذت في الأيام والأسابيع القليلة الماضية منحى تصاعديًا، بحيث لا تمر ليلة من دون التعرّض لسلسلة من الغارات المكثفة، بموازاة القصف المدفعي شبه الدائم والغارات النهارية المتفرقة.
في الخلاصة، صحيح أن لا شيء جامدًا في السياسة، وصحيح أن الأمور بين واشنطن وطهران يمكن أن تتحرك إلى اتفاق في أي وقت قريب، على الرغم من الأجواء السلبية السائدة حاليًا، لكن الأصح أن لا شيء يضمن أن إسرائيل على استعداد للتقيّد بأي اتفاقات دولية، وما حصل ويحصل في غزة، وفي جنوب سوريا، خير دليل على ذلك. والأكيد أنّ الرهان غير المعلن على الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول، وعلى الانتخابات النصفية الأميركية في 3 تشرين الثاني، غير مضمون بدوره، ويمكن أن تكون مخرجاته أسوأ من الرهانات السابقة!




















































