لا يمكن الانطلاق من أدلة موثقة على بدء مفاوضات أميركية مع حزب الله بشكل مباشر ومعلن، لكن الوقائع المتراكمة خلال الأشهر الماضية تشير إلى أن فكرة فتح قناة من هذا النوع لم تعد مجرد تكهن إعلامي. فقد أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب بنفسه في حزيران الفائت أنه تواصل مع الحزب، فيما أفادت تقارير لاحقة بأنه حاول في أواخر أيار فتح اتصال مباشر معه. وفي الأشهر التي تلت، كان هناك كلام وتلميحات من أكثر من مصدر ومرجع أميركي رسمي، أن هذا التواصل ليس زلة لسان أو كلمة هامشية أو حتى "لعبة سياسية"، بل فكرة جدية يسعى العمل على تحقيقها. لكن المفارقة الأساسية أن الموقف الأميركي الرسمي لم يتحول إلى اعتراف بحزب الله كفريق تفاوضي، فحتى المبعوث الأميركي السفير توم براك أوضح أن واشنطن لا تتفاوض مع الحزب، رغم إقراره بأن غياب الحزب وإيران عن طاولة البحث في مستقبل لبنان يترك مشكلة أساسية بلا حل. لذلك، يبدو أن واشنطن تريد الاحتفاظ بإمكانية الاتصال من دون منحه شرعية سياسية كاملة. وهنا تبرز قناة رئيس مجلس النواب نبيه بري، التي استُخدمت بالفعل في نقل رسائل بين واشنطن وحزب الله، كأحد الجسور الأكثر واقعية إذا تطور التواصل السري إلى مسار منتظم.
ولكن، كما هو معلوم، فإن العامل الحاسم ليس حزب الله وحده، بل إيران. فالحزب يعتمد على طهران في استمراره العسكري والمالي والاستراتيجي، وهو مرتبط بالإيرانيين عقائديًا، ما يجعل من الصعب تصور قرار كبير بشأن سلاحه بمعزل عن الحسابات الإيرانية. وقد قال قياديون في الحزب إنهم يثقون بأن أي تفاهم أميركي–إيراني سيشمل لبنان، فيما أظهرت التطورات أن الملف اللبناني أصبح بالفعل متداخلًا مع المسار الإقليمي بين واشنطن وطهران. وهذا يضع إيران أمام معادلة دقيقة، فهي تريد الحفاظ على حزب الله كأداة نفوذ وردع، لكنها في الوقت نفسه تواجه ضغطًا عسكريًا واقتصاديًا كبيرًا وتحتاج إلى مخرج تفاوضي مع الولايات المتحدة. لذلك، قد لا يكون هدفها الحفاظ على بنية الحزب العسكرية بالشكل الذي كانت عليه، بل حماية قيمته الاستراتيجية، أي بمعنى آخر، بقاؤه قوة سياسية مؤثرة، واحتفاظه بقدر من القدرة الردعية، ومنع تحويل نزع السلاح إلى انهيار كامل للحزب أو إخراجه من النظام اللبناني.
أمام هذا الواقع، تبرز عدة احتمالات:
1- رفض طهران أي تنازل جوهري، وإصرارها على الانسحاب الإسرائيلي أولاً.
2- تقبّل تجميد القدرات الهجومية وإعادة تنظيم السلاح بدلاً من نزعه بالكامل، وربما الموافقة على السعي إلى إعادة تعريف الحزب تدريجيًا كقوة سياسية رئيسية ذات قدرة عسكرية محدودة.
3- إدخال لبنان في صفقة أميركية–إيرانية أوسع تشمل الملف النووي والعقوبات وأمن المنطقة، بحيث تصبح ترتيبات حزب الله جزءًا من الثمن المتبادل، وهو، وفق مسار الأمور، الاحتمال الأكثر ترجيحًا.
كل هذه الاحتمالات تقف أمام عائق أساسي واحد، وهو: إسرائيل التي لا تزال تصرّ على ربط الانسحاب بنزع السلاح، بينما يطالب الحزب وإيران بالعكس. وتجد الدولة اللبنانية نفسها بين الفريقين، في حين تحاول واشنطن كسر هذه الحلقة تدريجيًا.
هل وصلنا إلى مرحلة تخطينا فيها "تابو" (المحظور) إمكانية جلوس أميركا مع حزب الله؟ ووصلنا إلى نقطة أكثر أهمية: هل بدأت واشنطن وطهران البحث في صيغة تحفظ لإيران جزءًا من نفوذها، وتمنح الحزب مخرجًا يحفظ وجوده السياسي، مقابل إنهاء الحرب وإعادة ترتيب سلاحه وانسحاب إسرائيل؟ لا بد من مراقبة الوضع عن كثب، فإذا بدأت تظهر إشارات عن "تنظيم" السلاح أو "احتوائه" بدلاً من نزعه، أو ضمانات إيرانية للبنان، أو تكثيف التحرك المكوكي على خط بري، أو تفاهمات متزامنة بين الانسحاب الإسرائيلي وخطوات الحزب، فسنكون أمام إجراءات تتجاوز الاتصالات الخلفية، لتتكون نواة صفقة إقليمية قد يكون لبنان أحد بنودها الأكثر حساسية.























































