هوَ لبنانُ الجَبَلُ القُدسِيُّ.
الجُغرافِيُّونَ العَرَبُ في العُصورِ الوسْطى رَفَعوهُ الى مَصافِ إمتحانِ الرَجاءِ، الى التَوقِ. وَلا أحَدَ يَمنَعُ الإمتِحانَ مِن أن يَغدو تَجاوزاً لِنورانِيَّةٍ كامِنَةٍ في التأسيسِ تَدفَعُ الى عُمقِ الإيمانِ.
إنَّهُ التَجَلّي عَلى جَبَلِ الإٍسلامِ يَجعَلُ الرؤيَةَ تَصحو عَلى أبَدِيَّةٍ أبعَدَ مِنَ الجُغرافيا وَحدَها. هوَذا لبنانُ. أوَّلُ الضَؤِ لَهُ، وَآخِرُ الضَؤِ لَهُ، لِأنَّهُ مُقيمٌ في الضياءِ الإلَهيِّ. كَذا مُسَجَّلٌ في عَناصِرَ الخَليقَةِ.
وَهيَ ثالوثِيَّةُ فِكرٍ إسلاميٍّ كَرَّسَتهُ عَلى ذَلِكَ.
شِهابُ الدِّينِ أَبو عَبدِ اللَّهِ ياقوتُ بنُ عَبدِ اللَّهِ الحَمَوِيُّ الرُّومِيُّ البَغْداديُّ (574-626 هـ / 1178-1229 م) يُدَوِّنُ في "مُعجَمِ البُلدانِ": "لبنانُ بِالضَمِّ وَآخِرُهُ نونٌ، قالَ رَجُلٌ لِآخَرَ: ليَ إلَيكَ حُوَيجَةٌ. فَقالَ: لا أقْضيها حَتَّى تَكونَ لُبنانِيَّةً، أيّ مِثلَ لبنانَ، وَهوَ إسمُ جَبَلٍ، (...)، وَلبنانُ جَبَلٌ مُطِلٌّ عَلى حِمصَ يَجيءُ مِنَ العِرجِ الَذي بَينَ مَكَّةَ والمَدينَةَ حَتَّى يَتَّصِلَ بَالشامِ، فَما كانَ بِفِلَسْطينَ فَهوَ جَبَلُ الحَمَلِ، وَما كانَ بِالأُردُنَ فَهوَ جَبَلُ الجَليلِ، وَبِدِمَشقَ سَنيرَ، وَبِحَلَبَ وَحَماهَ وَحِمصَ لبنانَ، وَيَتَّصِلُ بِأنطاكِيَةَ والمَصيصَةَ وَيُسَمَّى هُناكَ الُلكامَ، ثُمَّ يَمتَّدُ الى مَلطيَةَ وَسُميساطَ وَقاليقَلا الى بَحرِ الخَزَرِ فَيُسَمَّى هُناكَ القَبَقَ، وَقيلَ: إنَّ في هَذا الجَبَلِ سَبعينَ لِساناً لا يَعرِفُ كُلُّ قَومٍ لِسانَ الآخَرينَ إلَّا بِتُرجُمانٍ، وَفي هَذا الجَبَلِ المُسَمَّى بِلبنانَ كورَةُ حِمصٍ جَليلَةٌ وَفيهِ مِن جَميعِ الفواكِهِ والزَرعِ مِن غَيرِ أن يَزرَعَها أحَدٌ، وَفيهِ يَكونُ الأبْدالُ مِنَ الصالِحينَ..."
وَمَجْدُ الدّينِ الفَيروزآباديُّ (729-817 هـ / 1329-1415 م)، الُلغَوِيُّ والمُعجَمِيُّ والإمامُ القاضِيُ، مَن طافَ العِراقَ وَمِصرَ والشامَ وَبِلادَ الرومِ والهِندَ فَاليَمَنَ، طَلَباً لِلعِلمِ، يوضِحُ في "القاموسِ المُحيطِ": "الأبْدالُ قَومٌ بِهِمِ يُقيمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ الأرضَ وَهُمُ سَبعونَ، (...)، لا يَموتُ أحَدُهُمُ إلَّا قامَ مَكانَهُ آخَرُ..."
وَأبو الحُسَينِ مُحَمَّدُ بِنُ أحَمَدِ بِنُ جُبَيرُ الكَنانِيُّ المَعروفُ بِإبنِ جُبَيرَ الأندَلُسِيُّ (540-614 هـ / 1145-1217 م) يَشهَدُ في "رِحلَةِ إبنِ جُبَيرَ": أنَّ جَبَلَ لبنانَ "حَيثُ الثِمارُ المُتَنَوِّعَةُ والظِلالُ الوَفيرَةُ" هوَ "مَكانُ المُريدينَ المُنقَطِعينَ الى اللهِ مِن زُهّادٍ وَنُسّاكٍ". وَيُشَدِّدُ: "وَمِنَ العَجَبَ أنَّ النَصارى المُجاوِرينَ لِجَبَلِ لبنانَ إذا رَأوا بِهِ بَعضَ المُنقَطِعينَ مِنَ المُسلِمينَ جَلَبوا لَهُم القوتَ وَأحسَنوا إلَيهِم، وَيَقولونَ: هَؤلاءُ مِمَّن إنقَطَعَ الى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَتَجِبُ مُشارَكَتَهُم."
لَهفَةٌ سُكناها الأرضُ
هوَ لبنانُ القُدسِيُّ، تَواتُرُ الأجيالِ في تَجديدِ مِراسِ الآفاقِ الَتي مِنَ الأُلوهَةِ في مَقاصِدَ الَلهفَةِ، حَيثُ الأرضُ قِمَّةُ إرثٍ عَظيمٍ لِأبَدٍ دائِمِ الطُهرِ المَولودِ لِلوجودِ مِن-في جَوهَرِ الخَلقِ.
هوَ لبنانُ القُدسِيُّ، لَهفَةٌ سُكناها الأرضُ في تَلاقٍ مُحَرِّرٍ بِالحُرِيَّةِ والمَجدِ، يَرِثُهُما الإنسانُ مِنَ اللهِ في مَذبوحِيَّةِ الوجودِ. لا مِن تَلاغٍ بَل في-مِن... إمتِحانٍ.
هوَ لبنانُ-الجَبَلُ، لبنانُ القُدسِيُّ، رَجاءُ ما لا يُنظَرُ لِأنَّهُ هوَ التأسيسُ، هوَ وِحدَةُ الرؤيَةِ، هوَ يَسوسُ نُزولَ الزَمَنِ في التاريخِ... بِعَدلِ البِرِّ.
في تِلكَ الَلهفَةِ-الفَرادَةِ، طَلَّتُهُ-التَكوينُ، وَطَلعَتُهُ-الكَينونَةُ. لا يُعقَلُ إلَّا خارِجَ الجَبرِيَّةِ، وَفَوقَها. إبداعُهُ أنَّهُ قَهَّارُها. غَلَبَتُها.
قُلتُ: إنَّهُ الرَجاءُ المُمتَحَنُ؟
ها "الإمتِحانُ يَلِدُ الرَجاءَ، وَرَجاؤنا لا يَخيبُ" (رِسالَةُ بولُسَ الى أهلِ روما 5/4-5).
مَفدِيٌّ-فادٍ هوَ، وَدَعوَةٌ-داعٍ الى مُشارَكَةِ الإنسانِ في الحَياةِ الطالِعَةِ إلَيهِ مِن فَوقِ. الى إنبِعاثِ خَلقِ المَصيرِ...