أشار رئيس الجمهوريّة جوزاف عون، في مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس، بعد لقائهما في اليونان، إلى أنّه "صحيح أنّ العلاقات بين الدّول تقوم على المصالح أوّلًا وأخيرًا، لكنّ الصحيح أيضًا أنّ مصالح أي دولة حديثة ديمقراطيّة، منبثقة من إرادة شعبها، تقوم أوّلًا وأخيرًا على تحقيق خير هذا الشّعب وتقدّمه وازدهاره".
واعتبر أنّ "خير أي شعب مرتبط بنظرته إلى تاريخه وتقاليده وتراثه وذاكرته وشخصيّته ومنظومة القيم في مجتمعه، كما بتطلّعه إلى مستقبله ودوره ورسالته، في أرضه وفي محيطه، وهو ما يشكّل هويّة هذا الشّعب"، ورأى أنّ "مصالحنا المشتركة بين لبنان واليونان، هي فعلًا من عمر التاريخ، كما هي من نتاج حاضرنا ومن مقتضيات مستقبلنا".
ولفت الرّئيس عون، إلى أنّ "منذ أكثر من ألفَي سنة، منذ الزّمن الفينيقي الإغريقي، كنّا معًا، يجمعنا هذا البحر المتوسّط. يجمعنا في بُعد أمننا وسيادتنا وحرّيّتنا، كما يجمعنا في بُعد مصالحنا الاقتصاديّة الشّاملة"، مبيّنًا أنّه "جمعَنا في التاريخ الأوّل في مسائل الإبحار والتجارة. ويضيفُ إليها اليوم، شراكتنا في قضايا منابع مصادر الطاقة وطرق نقلها ومصباتها وأسواقها، وفي مسائل حرّيّة التجارة العالميّة، وحق الشّعوب في خيرات أرضها وثروات الأرض".
وذكر أنّ "المتوسّط جَمَعنا قديمًا في مبادرات شعبَينا الخلّاقة، في التبادل الثّقافي والحضاري والفكري. ويضيف إليها اليوم قضايا الحفاظ على حضاراتنا، في مواجهة ظواهر الإرهاب ورفض الآخر أو الخوف منه، كما في مقاربة مسائل التغييرات الدّيمغرافيّة القسريّة، أو حتى السّلامة البيئيّة البحريّة والعامّة".
وأضاف: "لأنّه بحرٌ متوسّط، فهو مثل اسمه، يجمع ولا يفصل. ولذلك كانت مجتمعاته بيئة للاعتدال في المناخ، كما في الاجتماع والسّياسة، فلا تقبل التطرّف ولا تحتمل الأحاديّة"، منوّهًا إلى "أنّنا من هذا البحر ومثله. لذلك، نرى أنفسنا، كما نرى علاقاتنا الثّنائيّة، نموذجًا منفتحًا على كلّ جيراننا، على كلّ مَن يريد الخير والسّلام، بلا إلغاء ولا إقصاء ولا تفرّد ولا استفراد".
كما ركّز الرّئيس عون على "أنّنا نعتبر أنّ علاقتنا مع أي جار أو صديق، هي مدخل لعلاقة مماثلة مع كلّ الجيران وكلّ الأصدقاء، من دون استثناء، على قاعدة سيادة بلدنا والاحترام المتبادل، وبهدف تحقيق كلّ الخير لكلّ شعوبنا"، مؤكّدًا "أنّني أتشرّف بزيارتكم اليوم، وأنا طامحٌ وواثقٌ من طموحي، إلى استمرار دعمكم للبنان، في شتّى المجالات".
وأعلن "أنّني أتطلّع إلى استمرار دعمكم للجيش اللّبناني وقوانا المسلّحة الرّسميّة، الّتي أَوليناها مهمّة إنقاذ لبنان من أزمتَيه المترابطتَين المزمنتَين: أزمة وجود احتلال على أرضنا، وأزمة وجود سلاح خارج سلطة دولتنا. وهو ما استمر طيلة عقود، حتى قرّرنا اليوم أنّ الحلّ الوحيد الممكن، هو بمعالجة المشكلتَين بالتلازم والتزامن والتوازي: انسحاب كامل للاحتلال، وسيطرة كاملة لقوانا المسلّحة وحدها على كلّ أرضنا".
وتابع: "أزوركم وأتطلّع إلى استمرار دعمكم للبنان في المحافل الدّوليّة كافّة: في الأمم المتحدة حيث نبحث استمرار دور أممي في جنوب لبنان، لمؤازرة الدولة اللبنانية في خطّتها الإنقاذيّة، كما في واشنطن حيث نتابع مسارًا تفاوضيًّا لتحقيق أهدافنا الوطنيّة. وأيضًا في الاتحاد الأوروبي، حيث نأمل استمرار مساندتكم للبنان، سعيًا لدعم الاتحاد على كلّ المستويات، مع طموحنا بعقد شراكة استراتيجيّة بيننا وبين أوروبا، قريبًا".
وأوضح الرّئيس عون "أنّني أزوركم أيضًا، متطلّعًا إلى تطوير علاقاتنا الثّنائيّة في كلّ مجال وعلى أي مستوى، في الاقتصاد والتبادل التجاري، وفي قطاعات السّياحة والثّقافة والآثار"، مشيرًا إلى "أنّني أتطلع مثلًا، إلى توأمةٍ لمدننا السّاحليّة المعمِّرة من زمن الميتولوجيا الفينيقيّة والإغريقيّة، وإلى شراكة سياحيّة بين مراكزنا الأثريّة العريقة، وحتى إلى تكاملٍ في سياحتنا الدّينيّة الإيمانيّة".
إلى ذلك، لفت إلى "أنّنا لا ننسى أنّ جماعةً إيمانيّةً أساسيّةً في لبنان، لها موقعها الثّابت في نظام عيشنا التعدّدي الواحد، كما لها دورها الانفتاحي التاريخي الكبير على العرب والعالم، ما زالت تحمل اسم "الأرثوذكس اليونانيّين". مع أنّ الأغلبيّة الكبيرة من أبنائها ليسوا من أصل يوناني، لكنَّ تسميتها هذه تظلّ مؤشّرًا على عمق تاريخنا المشترك، وهو ما نتطلّع اليوم إلى تطويره وتثميره وتجديده، في اتجاه غد مشرق لنا جميعًا".
وأفاد بأنّ "شاعركم الكبير جورجيوس سيفيرياديس، (أو جورج سيفيريس) حامل "نوبل" للآداب، الّذي خَدم دبلوماسيًّا مميّزًا لبلادكم في بيروت منتصف القرن الماضي، كَتب من قلب عاصمتنا عن لحظة السّكون في رقصة أفروديت (motionless dance). في إشارة شاعريّة إبداعيّة، حول كيف للجمال والحب أن يجمدا الزّمن، لينسكبا من بيروت حتى أثينا وصولًا إلى كل الأرض".
وتوحّه عون إلى كيرياكوس، قائلًا: "من بيروت إلى أثنيا، جئنا اليوم، ساعين وجاهدين لتجميد أزمنة الحروب والشّرور، ليحلّ الخير والسّلام على كلّ الأرض، على صورة ونموذج صداقتنا".
















































