لم تكن كلمة رئيس مجلس النواب نبيه بري في الذكرى الثامنة والأربعين لتغييب الإمام موسى الصدر خطابًا وجدانيًا بالمعنى المألوف. صحيح أن المناسبة فرضت قاموسها المعهود من آب والغياب والأمانة والشهداء، لكن بري استبدل المنبر التذكاري سريعًا بمنصة سياسية من طراز مغاير. كان يرسم تخومًا، لا يستعيد ذكريات. وبدا عنوان "أمانة وطن" أقرب إلى بيان دفاع منه إلى شعار احتفالي: من يملك حق تعريف الوطن؟ من يقرر مصير الجنوب؟ من يفاوض باسم الدولة؟ ومن يحق له المساس بقواعد النظام؟
القراءة السطحية للكلمة تختزلها في تجديد مواقف حركة أمل من إسرائيل والجنوب واتفاق الطائف وقضية الإمام الصدر. لكن القراءة المعّمقة تكشف أن بري كان بذكائه يخاطب عدة عواصم ودوائر في آن واحد: الداخل اللبناني المنقسم، والقوى الدولية التي تنظر إلى الجنوب بعين الملف الأمني، وإسرائيل الطامعة التي تبتغي ترتيبات ميدانية وسياسية، وحلفاءه في محور المقاومة، والبيئة الشيعية التي يريد تثبيت موقعها داخل المعادلة الوطنية لا على هامشها.
من الإمام الصدر إلى لبنان
يستحضر بري صورة الإمام الصدر بوصفه "شمسًا" لا تحجبها السجون، لكن هذا الاستحضار ليس وجدانيًا فحسب. فالإمام يُقدَّم مرجعيةً تأسيسية تتجاوز حركة أمل والطائفة الشيعية، ومنها يستمد بري شرعية الحديث باسم صيغة وطنية عابرة للطوائف. وحين يستعيد مقولة "لا شيء أغلى من لبنان"، فهو لا يضع الصدر في مواجهة المقاومة، بل يُؤطّرها داخل فكرة لبنان لا خارجها.
هنا تكمن إحدى الرسائل الخفية الأهم: بري لا يريد حصر حركة أمل في دور الطرف الشيعي الثاني، ولا حصر الجنوب في كونه مجالًا أمنيًا لحزب الله أو مساحة تخص الشيعة وحدهم. ولذلك يُلحّ على أن مواجهة إسرائيل تحتاج إلى "مقاربة وطنية" بعيدة عن الحسابات الطائفية والمناطقية. الظاهر دعوة إلى الوحدة، والباطن رفضٌ لتحويل الصراع على الجنوب إلى "مشكلة شيعية" يتنصل منها بقية اللبنانيين أو يوظفونها لمحاصرة الطائفة.
بيد أن هذا الخطاب يحمل تناقضًا لا يمكن تجاهله. فبري يطالب بتوطين القرار العسكري في إطار وطني جامع، لكنه لا يقدّم آلية واضحة لتحويل هذا القرار إلى مسار مؤسسي فعلي. إنه يوسّع دائرة التضامن السياسي مع الجنوب دون أن يحسم التساؤل العملي: من يملك السلاح ومن يملك القرار؟ ولذلك تبدو "الوطنية" في كلمته إطارًا للشرعية أكثر منها برنامجًا لإعادة توزيع القوة داخل الدولة.
تحذير حقيقي أم درع سياسي؟
الجملة الأكثر تكثيفًا في الكلمة هي: "المطلوب إسرائيليًا ليس حزب الله ولا سلاحه ولا حركة أمل ولا الطائفة الشيعية، المطلوب إسرائيليًا الفتنة". تؤدّي هذه الجملة وظيفتين معًا: تحذير من تحويل الحرب إلى اقتتال داخلي، وهو خطر داهم في بلد تتداخل فيه الجغرافيا الطائفية مع ذاكرة الحرب اللبناني والسلاح المتناثر، ونقلٌ لمركز النقاش من سؤال السلاح إلى سؤال الوحدة الوطنية، بما يضع خصوم المقاومة أمام اختبار: هل يريدون معالجة الخلاف داخل المؤسسات أم استثماره في أتون الحرب؟
غير أن هذا الافتراض يستحق التحدي. فليس كل اعتراض لبناني على سلاح حزب الله أو على طريقة إدارة الجنوب مؤامرةَ فتنة، وليس كل نقاش حول السيادة أجندةً إسرائيلية. حين يربط بري بين الاعتراض على المقاومة ومشروع الفتنة، يُحقق تعبئةً سياسية فعّالة، لكنه يُضيّق مساحة النقد الداخلي المشروع. فالفتنة قد تكون هدفًا إسرائيليًا، لكن درء الخطر لا يعني تجميد التساؤلات اللبنانية حول القرار الوطني، ولا إعفاء القوى المسلحة والسياسية من المساءلة.
"اتفاق الإطار" والملحقات السرية: الاعتراض على المضمون أم على المسار؟
في القسم الأكثر مباشرةً، يرفض بري التصرف بالعناوين السيادية تحت مسميات مثل "اتفاق إطار" أو "ملحقات سرية"، ويذكّر بأن حركة أمل وكتلة التنمية والتحرير رفضتا الاتفاق وما زالتا على هذا الموقف. لكنه لا يكتفي بالاعتراض على النتيجة، بل يطعن في شرعية المسار نفسه: تفاوض مباشر مع إسرائيل، تحت النار، ومن دون إجماع وطني. وسؤاله "سبع جولات من التفاوض، ماذا كانت النتيجة؟" ليس طلب إجابة بل أداة اتهام: التفاوض لم ينتج حمايةً للبنان، بل تزامن مع اتساع الاحتلال والدمار وسقوط الشهداء.
لكن هذا الاستدلال ليس محصّنًا من النقد. فالتزامن بين التفاوض واستمرار الحرب لا يُثبت وحده أن التفاوض هو سبب الفشل. ورفض التفاوض المباشر لا يقدّم بديلًا واضحًا سوى إبقاء الملف في حالة مواجهة مفتوحة. بري ينجح في إحراج دعاة التسوية بسؤال النتائج، لكنه لا يُجيب: إذا كان التفاوض المباشر مرفوضًا، فما الصيغة الواقعية التي تحمي الأرض وتعيد الإعمار وتنتزع ضمانات دولية؟
والرسالة الأبعد أن أي تفاهم يجري خارج رقابة الدولة ومؤسساتها سيُعامَل مساسًا بالسيادة لا مجرد ترتيب أمني. بري يريد الدولة حاضرةً في الجنوب، لكنه يرفض دولةً تُستدعى لتوقيع ما لا يستطيع المجتمع السياسي اللبناني تحمّل تبعاته.
الجيش خط أحمر: شرعية أم مظلة؟
إفراد الجيش اللبناني بوصفه "الخط الأحمر" ليس تفصيلًا بروتوكوليًا. بري يدرك أن المؤسسة العسكرية قد تكون المساحة الوحيدة التي يمكن أن تلتقي عندها الأفرقاء في لبنان اللبنانية المتنافرة، فيرفض التشكيك بها ويدعو إلى دعمها. غير أن الخطاب لا يُقدّم الجيش بديلًا آنيًا للمقاومة، بل "حاميةً وحاضنةً" لآمال اللبنانيين، مع إشارة إلى دوره في إطار القرار 1701 وقوات اليونيفيل.
هذه الصياغة تحتمل تأويلَين: محاولة لإعادة الدولة إلى قلب قضية الجنوب عبر مؤسساتها الدستورية، أو صيغة توافقية تمنح الجيش شرعية وطنية من دون أن تمنحه القرار الأمني الكامل.
الجنوب ليس منطقة تجريبية
حين يقول بري إن الجنوب لا يقبل التجزئة بين شمال النهر وجنوبه، وإن جغرافيته ليست "مناطق تجريبية"، فهو يرفض منطقًا كاملًا لا احتمالًا أمنيًا واحدًا. إنه يقول إن القرى والسكان والجيش والمؤسسات المدنية لن تكون حقولَ اختبار لصيغة لم تُحسم وطنيًا. وهو يواجه في آن واحد ثلاثة مشاريع محتملة: منطقة عازلة، وحزام أمني، وجنوب منزوع الوظيفة السياسية لصالح ترتيبات خارجية. ويُصرّ على وحدة الجغرافيا لأن تجزئة الأرض قد تُفضي في السياسة اللبنانية إلى تجزئة المسؤولية ثم تجزئة الانتماء.
السيادة في صورتها القانونية
يكتسب قسم مقاضاة إسرائيل أهمية خاصة لأنه ينقل الصراع من الميدان إلى القانون. بري يرفض "تعليق" حق الدولة والمؤسسات والأفراد في ملاحقة إسرائيل، ويعتبر إسقاط هذا الحق تنازلًا عن السيادة. رسالته إلى المفاوضين: لا حصانة مجانية ولا إغلاق للملفات باسم الواقعية. ورسالته إلى البيئة الجنوبية: الدمار ليس قدرًا منسيًا، والضحايا ليسوا كلفةً تفاوضية. أما رسالته إلى الخارج فهي أن تمويل إعادة الإعمار لا يمحو مسؤولية من هدم.
لكن ثمة فجوة بين تثبيت الحق وامتلاك أدوات استخدامه. فتفعيل المقاضاة يحتاج إلى دولة قادرة على جمع الأدلة وتوحيد الملفات وتأمين الغطاء الدبلوماسي والقضائي. وإلا بقي الحق شعارًا قويًا في الخطاب وهشًا في التطبيق.
خوف مما وراء الدخان
رفض بري للفدرالية والتقسيم وأي صيغة لا تتوافق مع اتفاق الطائف يكشف أن الجنوب ليس الملف الوحيد الذي يُقلقه. فخلف دخان الحرب، يدور نقاش لبناني عن شكل الدولة وتوزيع الصلاحيات، وبعضهم يرى في الحرب فرصةً لإعادة التأسيس على قواعد مناطقية أكثر صراحة. يُقدّم بري الطائف سقفًا للاستقرار لا وثيقةً دستوريةً جامدة، ويقول لهؤلاء: لا تعديل تحت الضغط، ولا فدرلة نتيجة الانكشاف الأمني، ولا تقسيمًا مُقنَّعًا تحت عنوان حماية الجماعات.
غير أن الدفاع عن الطائف لا يكفي إذا اقتصر على صون توازناته الطائفية فيما تبقى بنوده الإصلاحية معلقة. والطائف لا يصلح أداةً لمنع الفدرالية إلا إذا صار إطارًا لإصلاح الدولة لا مظلةً لتجميدها، وهذه ثغرة سياسية أساسية لم تُعالجها الكلمة.
الرسالة إلى إيران والخليج
في ختام كلمته، يُعبّر بري عن دعم المساعي العربية والباكستانية لإنهاء التوتر في الخليج. تبدو الفقرة نافرةً عن مناسبة الإمام الصدر والجنوب، لكنها تؤدي وظيفة إقليمية دقيقة: تُظهر لبنان، أو على الأقل موقع بري السياسي، داعمًا للتهدئة لا للتصعيد، من دون أن يكون ذلك اصطفافًا ضد إيران. إنه يقدّم حركة أمل قوةً قادرة على الحوار مع أكثر من محور، وتسوية إقليمية يريدها دون أن يكون لبنان رهينتها الكاملة.
في الخلاصة إنّ كلمة بري دفاعية في لغتها، هجومية في مراميها. لكن ما يبقى خلف سطورها هو محاولة احتلال المساحة الواقعة بين ثلاث شرعيات متنافسة: شرعية المقاومة، وشرعية الدولة، وشرعية البيئة الشعبية التي دفعت ثمن الحرب. لا يُلغي واحدةً لحساب الأخرى، بل يُعيد ترتيبها: المقاومة ليست طائفة، الجنوب ليس ساحة، الجيش ليس خصمًا، الدولة ليست واجهة، والطائف ليس ورقةً موقتة.
لكن نجاح هذه المعادلة مشروط بإجابة لم تقدمها الكلمة: كيف تنتقل هذه العناوين من وظيفة الحماية السياسية إلى قواعد مؤسسية ملزمة للجميع؟ وبقدر ما يُحسن بري رسم الخطوط، يبقى التحدي الحقيقي في تحويلها إلى سياسة قابلة للتنفيذ.




















































