يبدو أن التحرك الأميركي لإنجاح ​اتفاق الإطار​ بين ​لبنان​ و​إسرائيل​ دخل مرحلة أكثر تعقيدًا من مجرد الوساطة بين فريقين. فواشنطن لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره تسوية نهائية، بل كحجر الأساس لأرضية اتفاق طويل الأمد (كي لا نقول نهائي) بين الفريقين، مع "إغراء" كل منهما ب​الأمن والاستقرار​ والسلام، فيتحرر الجنوب وتصبح مناطق المواجهة مناطق اقتصادية أو تجارية... وهذه هي في الوقت نفسه نقطة قوة الاتفاق ومصدر هشاشته. فالأساس يقوم على تسلسل بين تعزيز سلطة الدولة اللبنانية ونزع سلاح ​حزب الله​ من جهة، وإعادة الانتشار الإسرائيلي من جهة ثانية، مع إنشاء آلية تنسيق ثلاثية (بإشراف أميركي) ومناطق تجريبية للانسحاب، غير أن ثمة صعوبات في تنفيذ هذا الاتفاق باتت تظهر بجلاء على الأرض.

تحرك الإدارة الأميركية، وفق هذا المنطق، لا يبدو متجهًا إلى التخلي عن الاتفاق، وإنما إلى إعادة ترتيب شروط نجاحه. فواشنطن تدرك أن المطالبة بنزع سلاح الحزب أولًا مقابل وعد إسرائيلي بالانسحاب لاحقًا غير قابلة للحياة سياسيًا. وفي المقابل، فإن مطالبة إسرائيل بالانسحاب من دون ضمان إزالة التهديد الذي تعدّه قائمًا على حدودها تبدو غير قابلة للتطبيق أيضًا. لذلك تبرز صيغة أكثر توازنًا: ​انسحاب إسرائيلي​ تدريجي يقابله انتشار فعلي للجيش اللبناني، مع دعم دولي متزايد له، فيما يستمر بحث مسألة السلاح ضمن مسار أطول زمنيًا، وهو ما يفسر الزخم المتصاعد للتحرك الأوروبي في سياق تقديم المشورة والتدريب للجيش اللبناني.

من وجهة النظر الإسرائيلية، معيار نجاح الاتفاق هو السيطرة الأمنية قبل كل شيء. لذلك يصعب توقع انسحاب شامل وسريع ما دام حزب الله يحتفظ بقدرات عسكرية مستقلة، خصوصًا في مناطق استراتيجية ك​تلة علي الطاهر​. وقد باتت هذه المنطقة اختبارًا حقيقيًا للمعادلة برمّتها: إسرائيل تراها موقعًا ضروريًا لمنع إعادة بناء قدرات الحزب، بينما يعدّها الحزب ركيزةً في منع فرض واقع إسرائيلي دائم في الجنوب. ومع اقتراب ​الانتخابات الإسرائيلية​، تتصاعد حوافز ​بنيامين نتنياهو​ لتحقيق إنجاز أمني، فيما تحرص واشنطن على تفادي عملية واسعة قد تتحول إلى مواجهة أشمل.

أما لبنان الرسمي، فيرى أن نجاح الاتفاق مشروط بتلازم مسارين: انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة، وتوسيع سلطة الدولة تدريجيًا. وهذه المعادلة ضرورية سياسيًا لرئيس الجمهورية العماد ​جوزاف عون​، لأن معالجة مسألة السلاح من دون ضمان انسحاب إسرائيلي سيُنظر إليها داخليًا على أنها تنفيذ للجزء الإسرائيلي من الاتفاق. لذلك تسعى بيروت إلى ضمانات خارجية ودور أوروبي وأميركي أكبر في التنفيذ.

في المقابل، لا يستطيع حزب الله قبول الاتفاق بصيغته الراهنة بسهولة، لأن جوهره يُعيد تعريف دوره العسكري داخل لبنان. غير أن رفضه المطلق لا يعني بالضرورة استحالة التوصل إلى صيغة وسط. فالاحتمال الأكثر واقعية هو الانتقال من مطلب "نزع السلاح فورًا" إلى مسار تدريجي لحصر القرار العسكري بالدولة، بالتوازي مع انسحابات إسرائيلية وضمانات أمنية دولية. وهذا قد يمنح الحزب مخرجًا سياسيًا يحفظ بعض أوراقه، ويُتيح للدولة اللبنانية مكسبًا سياديًا متدرجًا، وهو ربما جوهر الحديث الدائر عن محادثات مباشرة مع ​الولايات المتحدة الأميركية​.

ويبدو أن العقبة الأساسية ليست غياب الرغبة الأميركية في إنقاذ الاتفاق، بل تضارب تعريفات النجاح. فإسرائيل تريد ضمان الأمن قبل الانسحاب، ولبنان يريد الانسحاب قبل تقديم تنازلات نهائية، وحزب الله يريد ضمان انتهاء الوجود الإسرائيلي قبل التخلي عن قدراته، بينما تريد واشنطن الحيلولة دون تحول هذه الحلقة المفرغة إلى حرب جديدة. وتتصاعد أهمية هذا الهدف مع ارتباط الملف اللبناني بالتوتر الأميركي-الإيراني، إذ إن أي تصعيد واسع في الجنوب قد يتجاوز حدود لبنان، وهو ما يفسر الحساسية الأميركية المتنامية تجاه احتمال اندلاع معركة كبرى في تلة علي الطاهر.

من هنا، يمكن القول إن السيناريو الأرجح ليس انهيار الاتفاق ولا تنفيذه الكامل، بل دخوله إلى غرفة العمليات لإعادة هندسته وتأجيل القضايا الأشد حساسيةً إلى ما بعد الانتخابات الإسرائيلية. فإذا تمكنت واشنطن من تثبيت وقف التصعيد ودعم ​الجيش اللبناني​ وانتزاع انسحابات إسرائيلية محدودة وملموسة، فسيظل الإطار قابلًا للحياة. أما إذا تحولت تلة علي الطاهر إلى معركة واسعة، أو استمر الوجود الإسرائيلي من دون مسار انسحاب واضح، فسيغدو الاتفاق مهددًا بالانزلاق من إطار للتسوية إلى مجرد هدنة موقتة، وقد يكون نسخةً محدّثة عن اتفاق 27 تشرين الثاني 2024.

إن نجاح الاتفاق لا يتطلب خروج أي فريق منتصرًا، بل حصول كل جهة على ما يكفي من الضمانات كي لا ترى في التنازل بداية لخسارة استراتيجية.