تناول الصحافي في صحيفة "غارديان" البريطانية، الحربين الدائرتين بين ​أوكرانيا​ و​روسيا​، والولايات المتحدة وايران، وحاول الجمع بينهما ووضعهما في رؤية واحدة ضمن وجهة نظر أميركية-أوروبية ترى في روسيا قاسماً مشتركاً بينهما. وفي ما يلي الترجمة الصحافية للمقال:

لم تصل روسيا بعد إلى حد قتل أعداد كبيرة من الأوروبيين خارج حدود أوكرانيا، لكنها تقترب من ذلك تدريجيًا. ففي ليلة 4آب، تم إيجاد في مطار "لايبزيغ-هاله" الألماني — وهو مركز لوجستي حيوي لدعم أوكرانيا — كما في محيطه، على ثلاث طائرات مسيّرة تحمل أسلحة ومتفجرات، ما أعاد الى الاذهان حادثة عام 2024، عندما اشتعلت عبوات حارقة مخفية في طرود تابعة لشركة "DHL" بالمطار نفسه. ولو انفجرت تلك العبوات جواً، لتسببت بكارثة كبيرة، ولربما قادت إلى حرب أوسع نطاقاً.

هذا التصعيد الأخير دفع مدير ​وكالة الاستخبارات المركزية​ الأميركية (CIA) ​جون راتكليف​، الى السفر إلى موسكو الأسبوع الماضي، ووفقاً للتقارير، كانت الزيارة بهدف تحذير الكرملين من شن هجمات داخل أراضي حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وحثه على كبح دعمه ل​إيران​، مع التأكيد على أن التصعيد في أوكرانيا سينعكس سلباً على روسيا، فضلاً عن الدفع نحو تسوية لإنهاء الحرب. ورغم استبعاد أن تغيّر زيارة راتكليف خطط الكرملين التصعيدية ضد أوكرانيا في الأشهر المقبلة، فإنها تعكس مؤشراً واضحاً على التداخل الخطير والمتنامي بين حربي إيران وأوكرانيا.

أشارت صحيفة "واشنطن بوست" إلى أن أحد أهداف زيارة راتكليف كان تبديد قناعة الكرملين بأن إدارة الرئيس الأميركي ​دونالد ترامب​ ترامب منشغلة بملف إيران عن أوكرانيا. الا أن التقارير المكثفة حول استنزاف مخزون الصواريخ الاعتراضية الأميركية بسبب حرب إيران لا يمكن إلا أن تشجع الرئيس الروسي ​فلاديمير بوتين​ على شن ضربات صاروخية أكثر فتكاً ضد المدنيين في أوكرانيا.

في المقابل، أرسلت كييف 228 خبيراً وشاحنات محملة بالطائرات المسيّرة لمساعدة دول الخليج في منظومتها الدفاعية ضد الهجمات الإيرانية، مما دفع مشرعاً إيرانياً الى اعتبار أوكرانيا هدفاً مشروعاً. كما استهدفت أوكرانيا سفينة تجارية إيرانية في أواخر تموز الماضي. ومن جهتها، تمد روسيا طهران بمعلومات استخباراتية ميدانية تزيد من دقة ضرباتها، فضلاً عن استفادة موسكو الطويلة من المسيّرات الإيرانية لضرب المدن الأوكرانية. يتحرك الصراعان نحو الأسوأ دون أفق للحل. ورغم المأزق الاقتصادي الذي يواجهه بوتين جراء الضربات الأوكرانية المصيرية لمصافي النفط والمراكز اللوجستية الروسية، فإن هذه الضغوط قد تدفعه نحو التصعيد بدلاً من ضبط النفس، لا سيما إذا استشعر انشغال واشنطن بالشرق الأوسط، ورأى في ذلك فرصة سانحة لتوجيه ضربة قاضية لكييف.

يواجه قادة الأطراف كافة - بوتين والرئيس الاوكراني ​فلودومير زيلينسكي​ وترامب والقيادة الإيرانية - معضلة "التكلفة الغارقة" التي شجعت تاريخياً العديد من القادة على مواصلة عمليات عسكرية عقيمة. وإذا استمر هذا النهج، ستتضاعف مخاطر التصعيد وتلتحم الجبهتان بشكل أكبر.

على الصعيد الدبلوماسي، التقى الرئيس الصيني ​شي جين بينغ​ نظيره الروسي اخيراً، ومن المقرر أن ينضما إلى القادة الإيرانيين لحضور القمة السنوية ل​منظمة شنغهاي للتعاون​ التي ستركّز على ربط أسواق الطاقة في دولهم بشكل وثيق، مع إدانة "الهجوم الاقتصادي" الجديد الذي أعلنه وزير الخزانة الأميركي ​سكوت بيسنت​، لتشديد الضغوط على طهران. ورغم أن بكين قد لا ترغب في استمرار الحربين، إلا أنها لن تسمح بهزيمة روسيا أو إيران، وتمتلك القدرة على حمايتهما من التداعيات الاقتصادية القاسية.

كانت رحلة راتكليف إلى موسكو ضرورية في ظل العمليات الروسية التي خرجت عن المألوف في أوروبا، لكنها لن تكفي. فسبق أن زار سلفه بيل بيرنز، موسكو لتحذير روسيا من غزو أوكرانيا، لكن التدخل واجه حينها آذاناً صماء، وهو المصير نفسه الذي ينتظر مساعي راتكليف. هناك حاجة ماسة لطرح مبارات إيجابية لإنهاء الصراعين. يتطلب ذلك أولاً تسوية أميركية مع إيران تشمل إلغاء تجميد الأصول وتقديم إعفاءات من العقوبات مقابل وقف حقيقي لإطلاق النار وإطار عمل للإدارة المشتركة للممرات المائية. ومن ثم التوجه نحو تنويع إمدادات الطاقة العالمية عبر مسارات بديلة مثل فنزويلا والاعتماد على الطاقة المتجددة. أما أوكرانيا، فعليها التعامل بجدية أكبر مع خيار الحياد، وفتح نقاش حقيقي حول ما إذا كان التمسك بما تبقى من إقليم دونباس يستحق استمرار الحرب إلى ما لا نهاية.

في كتابه "العاصفة القادمة"، يشير المؤرخ أود آرني ويستاد إلى أن النزاعات الإقليمية التي تترك دون حل يمكن أن تتحول إلى برميل بارود يشعل مواجهة عالمية شاملة. ومع تشابك حربي إيران وأوكرانيا، يتعين على قادة العالم أخذ هذه التحذيرات بجدية أكبر، فالتاريخ لا يعيد نفسه حتماً، لكن الأزمات الحالية تتطلب قادة قادرين على تهدئة العواصف بدلاً من إشعالها.