مَمْنُوعٌ عَلَى أَيِّ مَارُونِيٍّ أَنْ يَجُوعَ أَوْ يَخَافَ أَوْ يُحَاوِلَ رُكُوبَ أَوَّلِ سَفِينَةٍ لِلْوُصُولِ إِلَى أَقْرَبِ دَوْلَةٍ شَقِيقَة، قَرِيبَةً كَانَتْ أَمْ بَعِيدَة. نَعَمْ،لَقَدْ حَانَ الوَقْتُ وَدُقَّ النَّفِيرُ لِمُوَاجَهَةِ المَسَارِ وَالمَصِيرِ.
لَسْتُ فِي مَعْرِضِ الهُجُومِ عَلَى الكَنِيسَةِ، وَأَنَا ابْنُ المَعْمُودِيَّةِ، وَمِنْ أَحْفَادِ مَارَ مَارُونَ، وَالمُدَافِعُ الأَوَّلُ عَنِ المَوْرُوثِ المَارُونِيِّ العَابِقِ بِالتَّارِيخِ وَالجُغْرَافِيَا. وَلَسْتُ فِي وَارِدِ نُكْرَانِ جَمِيلِ أَعْلاَمِ الكَنِيسَةِ المَارُونِيَّةِ، ابْتِدَاءً مِنْ رُومَا عَامَ 1584، وَمِنْ أَيَّامِ المِطْرَانِ "جِرْمَانُوسَ فَرْحَات" وَالخُورِي "بُطْرُسَ التَّولاَوِيِّ"، وُصُولاً إِلَى بَكَرْكِي، عَرِينِ المَوَارِنَةِ وَقَلْعَةِ الصُّمُودِ فِي بَقَاءِ لُبْنَانَ بِصِيغَتِهِ الثَّقَافِيَّةِ وَالحَضَارِيَّةِ وَالإِنْسَانِيَّةِ.
لَكِنْ، أَنْ تَرَى عَائِلاَتٍ مَارُونِيَّةً وَمَسِيحِيَّةً فِي عَامِ 2026 —مَهْمَا كَانَ شَكْلُهَا أَوْ ثِيَابُهَا أَوْ مَظَاهِرُهَا—عَاجِزَةً عَنْ سَدَادِ مَا تَبَقَّى مِنْ أَقْسَاطٍ مَدْرَسِيَّةٍ، أَوْ عَنْ دُخُولِ مُسْتَشْفَى، أَوْ حِمَايَةِ نَفْسِهَا مِنَ الطَّلاَقِ وَالتَّفَكُّكِ الأُسَرِيِّ، فَهَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَقْبُولٍ عَلَى الإِطْلاَقِ.
هُنَاكَ «لُوبِي» مَارُونِيٌّ فِي الدَّاخِلِ وَالخَارِجِ، وَمِنْ رِجَالِ الإِكْلِيرُوسِ، يَمْلِكُ أَسَاطِيلَ مِنَ المَالِ وَالإِمْتِيَازَاتِ الكَنَسِيَّةِ وَالمَدْرَسِيَّةِ وَالَجَامِعِيَّةِ، بَيْنَمَا يَنْظُرُ الشَّعْبُ بِعُيُونٍ شَاخِصَة وَقُلُوبٍ بَائِسَة. المَسِيحِيُّ وَالمَارُونِيُّ تَحْدِيداً لاَ يَطْلُبُ التَّعْلِيمَ وَالطبَابَةَ مَجَّاناً («بِبَلاَش») —فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ عَلَى مُؤَسَّسَاتِ الكَنِيسَةِ المُتَرَامِيَةِ الأَطْرَافِ— بَلْ يَطْلُبُ النَّظَرَ بِعَيْنِ الرَّأْفَةِ وَتَوَاضُعِ المَسِيح لِكُلِّ عَلِيلٍ وَمُحْتَاجٍ.
إِنَّنِي، وَمِنْ وَاقِعِ خَوْفِي عَلَى زَوَالِ الهَوِيَّةِ المَارُونِيَّةِ وَاللُّبْنَانِيَّةِ خِلاَلَ عَقْدَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ فِي ظِلِّ التَّجَاذُبَاتِ الإِقْلِيمِيَّةِ وَالدَّوْلِيَّةِ، أَدْعُو الكَنِيسَةَ المَارُونِيَّةَ إِلَى عَدَمِ الإِكْتِفَاءِ بِالْوَعَظَاتِ الصَّبَاحِيَّةِ وَالصَّلَوَاتِ اللَّيْلِيَّةِ. فَمَا نَفْعُ وَعْظَة يَوْمِ الأَحَدِ حِينَ نَسْمَعُ الكَاهِنَ عَلَى المَذْبَحِ يَقُولُ: «طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ فَإِنَّهُمْ يُشْبَعُونَ»، بَيْنَمَا الرَّعِيَّةُ المَارُونِيَّةُ —وَلَوْ كَانَتِ القِلَّةَ القَلِيلَةَ مِنْهَا— تَئِنُّ وَتَتَوَجَّعُ مِنْ تَرَاكُمَاتِ المَاضِي وَزَيْفِ التَّفَاهُمَات؟
لَقَدْ عَاشَ مَارُ مَارُونَ فِي جَبَلِ العَرَاءِ وَالْوَدَاعَةِ شَظَفَ العَيْشِ عَلَى خُطَى المُعَلِّمِ الأَوَّلِ. وَصَحِيحٌ أَنَّ الكَنِيسَةَ لَيْسَتْ هِيَ الدَّوْلَةَ، وَأَنَّ لِلدَّوْلَةِ رِجَالَهَا، لَكِنَّنَا نُرِيدُ وَبِكُلِّ مَحَبَّةٍ أَنْ نَعْرِفَ: هَلْ مَدَارِسُ وَجَامِعَاتُ المَوَارِنَةِ وَالرَّهْبَانِيَّاتُ المُخْتَلِفَةُ تُعَانِي عَجْزاً مَالِيّاً (Overdraft)، أَمْ أَنَّهَا فِي حَالَةِ تَوَازُنٍ بَيْنَ الإِيرَادَاتِ وَالمَصَارِيفِ (Break-even)، أَمْ أَنَّ أَرْبَاحَهَا هِيَ الَّتِي انْخَفَضَتْ فَقَطْ، وَأَصْبَحَتِ الشِّعَارَاتُ السَّائِدَةُ هِيَ «الشَّاطِرُ يَحْمِي نَفْسَهُ»؟
قَبْلَ الخِتَامِ، وَقَبْلَ زَوَالِ فِكْرَةِ لُبْنَانَ فِي ظِلِّ غِيَابِ الدَّوْلَةِ وَقِيَامِ الكَانْتُونَاتِ الطَّائِفِيَّةِ، يُنَادِيكُمْ مَارُ مَارُونَ وَيَشُدُّ عَلَى أَيَادِيكُمْ أَنْ لاَ تَنْسَوْا رِسَالَةَ المَسِيح لِكُلِّ مَرِيضٍ وَصَحِيح. وَإِذَا كُنْتُ قَدْ أَضَعْتُ البُوصَلَةَ فِي هَذَا المَقَالِ، فَلْيَغْفِرْ لِيَ اللهُ، وَلْيُسَامِحْنِي تَلاَمِيذُ مَارَ مَارُونَ، وَأَنَا كَالْمُعْتَادِ سَأَتْلُو «عَشَرَةَ أَبَانَا وَعَشَرَةَ سَلاَمٍ».
*كاتب وإعلامي