بعد فترة من الهدوء النسبي استمرّت لأكثر من أربع سنوات، عادت المواجهات العسكرية العنيفة والواسعة النطاق بين وحدات الجيش اليمني وجماعة "أنصار الله"، والمفارقة أنّ المعارك القائمة حاليًا ليست محصورة في الجبهات التقليدية، بل امتدت بصورة واضحة إلى الساحل الغربي. فما الذي يحصل، وما الأهداف الاستراتيجية من وراء التصعيد الحالي، وما هي النتائج العسكرية المتوقّعة؟
لا يُمكن فصل عودة الحرب إلى اليمن، عن الفشل في إيجاد مخرج للحرب الأميركية على إيران، إذ إنّ طهران تُحاول الرد على حصار واشنطن الخانق عليها، بالسعي لإغلاق ممرّات "باب المندب" البحرية، مُستعينة بجماعة "أنصار الله"، من أجل زيادة الضغط العالمي الذي نشأ عن إغلاق مضيق هرمز، خصوصًا أنّ الجيش الأميركي تمكّن في المرحلة الأخيرة من إعادة فتح المضيق جزئيًا.
ميدانيًا، تُسيطر جماعة "أنصار الله" على الجزء الأكبر من الساحل الشمالي الغربي، بما في ذلك الحديدة، أمّا المناطق الواقعة جنوب الحديدة على الساحل فقد أصبحت من أهم مناطق التماس مع وحدات الجيش اليمني المناوئ لها. وخلال الأسبوع الماضي، أطلق الحوثيون هجومًا واسع النطاق على جبهات غرب تعز والساحل الغربي، وحاولوا قطع الطريق بين تعز والمخا بهدف الوصول إلى مناطق استراتيجية قرب البحر الأحمر وباب المندب. ومن المهم الإشارة إلى أنّ أيّ ضغط من جانب "الحوثيّين" باتجاه الجنوب يمكن أن يُفهم ضمن محاولة دفع خط التماس تدريجيًا نحو منطقة المخا التي أصبحت محورًا متزايد الأهمية في التصعيد الحالي، لأنّ السيطرة على منطقة قريبة من باب المندب ستمنح جماعة "أنصار الله" قدرة أكبر على تهديد الملاحة البحرية والتحكم بالنيران في أحد أهم الممرات البحرية العالمية الاستراتيجية.
إشارة إلى أنّ المخا التي تقع على الساحل الغربي لتعز ليست مُجرّد ميناء، أو مركزًا لوجستيًا للجيش اليمني، بل هي تُمثّل بوابة جنوبية للساحل الذي يربط مناطق الحديدة بها، إضافة إلى كونها موقعًا قريبًا نسبيًا من باب المندب. وبالتالي، كلّما تحرّك الحوثيّون جنوبًا على هذا المحور، تصبح المسألة أكثر من مجرّد الضغط على تعز أو الحديد، وترمي إلى تحقيق هدف استراتيجي يتمثّل بالاقتراب من أهم ممرّ بحري في المنطقة. ولا يحتاج الحوثيون بالضرورة إلى احتلال المضيق نفسه لفرض سيطرتهم على حركة السفن، وعلى الموانئ والمنشآت الساحلية فيه، حيث يكفي أن يصبح لديهم وجود مُطلّ على هذا الممر أو قدرة على توجيه نيران بعيدة المدى باتجاهه لتحقيق هذه الغاية، إضافة إلى تهديد خطوط إمداد الجيش اليمني.
وبحسب آخر المعطيات المتاحة، فإنّ الهجوم البرّي الرئيسي الأخير للحوثيّين دار في غرب محافظة تعز، خصوصًا محاور مقبنة، الكدحة، البرح والأحباب الطويْر، مع محاولة التقدم باتجاه طريق تعز - المخا في محاولة لعزل تعز عن الساحل. كما امتدت الاشتباكات إلى مناطق من جنوب الحديدة والساحل الغربي. والهدف ليس مُجرّد التقدّم داخل تعز بقدر ما هو السيطرة على المرتفعات المُطلّة على باب المندب. وقد سارع الجيش اليمني إلى شنّ هجوم مُضاد تركّز في غرب تعز، مُحقّقًا تقدّمًا ملموسًا على الأرض. ويمكن اختصار المعركة بالقول إنّ جماعة "أنصار الله" تندفع من مناطق سيطرتها في شرق وشمال غرب تعز باتجاه خط تعز – المخا والساحل، بينما يُحاول الجيش اليمني وقف الاختراق واستعادة المواقع في غرب تعز وتأمين طريق تعز – المخا. وعلى خط مواز، فإنّ السيطرة على مناطق غرب تعز يمكن أن تساعد أي جانب في تأمين أو تهديد الطرق التي تربط المرتفعات بالساحل. ولهذا فإن القتال الحالي في غرب تعز بالتزامن مع التصعيد في الساحل الغربي يستحق الانتباه أيضًا.
تذكير أنّه في منتصف تموز الماضي، نقلت وكالة رويترز عن ثلاثة مصادر مطلعة أن إيران طلبت من الحوثيين أن يكونوا مستعدين لإغلاق طريق النفط في البحر الأحمر وباب المندب في حال قصفت الولايات المتحدة البنية التحتية للطاقة أو شبكة الكهرباء الإيرانية. لكنّ الحوثيين لاحقًا أعلنوا أن إجراءاتهم البحرية تستهدف السفن السعودية تحديدًا، وليس إعلان إغلاق شامل لباب المندب أمام حركة الملاحة الدولية.
وبغضّ النظر عن نتائج معارك الكر والفرّ الحالية، إنّ تحرّك الحوثيين من مناطق نفوذهم حول الحديدة إلى هذا المضيق ليس بالأمر السهل، ولا يقتصر على اختراق جبهة واحدة، بل هو يستوجب خوض سلسلة من المعارك الساحلية. وطالما بقيت المخا قاعدة قوية للقوات المناوئة، فإن تقدم الحوثيّين جنوبًا سيواجه عقدة عسكرية مهمة. وحتّى لو تمكّنت جماعة "أنصار الله" من تحقيق تقدّم بري، فإن تحويل ذلك إلى سيطرة فعلية على حركة السفن يتطلب قدرات لوجستية لجهة الرصد والاستطلاع، وقدرات عسكرية لجهة امتلاك زوارق بحرية وصواريخ أرض - بحر دقيقة. إلى ذلك، من شأن تمكّن جماعة "أنصار الله" من تحقيق أي تقدّم ميداني مهمّ في اتجاه "باب المندب" سيتطلّب تحرّكًا دَوليًا سريعًا من جانب الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها، لأنّ الوضع العالمي لا يتحمّل حاليًا أي تهديد جدّي وواسع النطاق للملاحة في هذا الممر البحري، في ظلّ ما يحصل في مضيق هرمز حاليًا.
في الخلاصة، الحرب المُتجدّدة في اليمن لها أبعاد إقليمية ودَوليّة مُتشعّبة، وقد جرى التحضير لهذه الجولة من المعارك على مدى أشهر عدّة كانت الأسلحة المُتطوّرة تتدفّق فيها إلى فريقَي النزاع، حيث استفاد الجيش اليمني من مجموعة كبيرة من المُسيرات الهجومية والمدفعية الدقيقة، ومن عدد من الدبابات والمُدرّعات، في حين استفادت جماعة "أنصار الله" من أعداد كبيرة من المُسيرات الانقضاضية والصواريخ الباليستية. والأكيد أنّ نتائج الحرب الحالية بين الفريقين في اليمن، ستنعكس مباشرة على الحرب الدائرة على مستوى المنطقة ككلّ بين واشنطن وطهران وحلفائهما.