أصدرت وزيرة التربية والتعليم العالي ريما كرامي، في 22 آب 2026، بيانًا في شأن قرار دمج عدد من المدارس والثانويات الرسمية... وقالت إن القرار «لا يتعلّق بإقفال مدارس أو بحرمان أي متعلّم من حقّه في التعليم، بل يقتصر على تجميع عدد محدود من المدارس والثانويات المتعثّرة التي بقيت مفتوحة على الرغم من أن عدد تلامذة بعضها لا يتجاوز عشرة»...
كيف تلقّى الواقع التربوي هذا القرار الوزاري، مع ما سبقه من قرارات للوزيرة كرامي، وما سيليه من قرارات دمج يُحكى أن ضحاياها عشرات الثانويات والتكميليات الرسمية التي ستضحي في خبر كان؟!...
من حيث المبدأ، كان الأجدر بوزارة التربية أن تدعم «المدارس الرسمية المتعثّرة»، بدلًا من الهروب إلى الأمام بإقفالها تحت مسمّى «الدمج»!.
غير أن الوزيرة تقول إن قراراتها تأتي «في إطار خطة إصلاحية تهدف إلى ترشيد الإنفاق العام، والحد من الإهدار، وتحسين كفاية الموارد البشرية والمالية، انسجامًا مع متطلبات وزارة المالية وتوصيات الجهات المانحة والبنك الدولي»...
وفي حديث الوزيرة كرامي عن «الخطة الإصلاحية»، تناقض معنوي: فالخطة، في شكل عام، تقوم على إجراءات لمعالجة الخلل بمسؤولية... وأمّا دمج المدارس الرسمية وإقفالها، فيقومان على الهروب إلى الأمام من المسؤولية، كالطبيب الذي يتقاعس عن مداواة من يشكو سقمًا، و«يحكم» عليه بالموت! والسؤال هنا: ما دور الطبيب تجاه الرجل المريض؟.
وأما حين تتكلم الوزيرة كرامي عن «انسجام» قراراتها مع «متطلبات وزارة المالية، وتوصيات الجهات المانحة والبنك الدولي»، فهي تُقرّ بأن إفقار المواطنين وتجويعهم، وإلحاق الجهل ببناتهم وبنيهم، في عصر الذكاء الاصطناعي، إنما هي سياسة حكومية عامة، بإيحاء دولي مشبوه! وإذّاك، «يدري مَن يعيش» ليعاين مساعدات البنك الدولي للبنان...
ومن ثمّ، هل يكون «ترشيد الإنفاق العام» بدمج «ثانوية الأخطل الصغير» العريقة، والتي تشكّل صرحًا تربويًا في البوشرية يعود تاريخه إلى العام 1967، بـ«ثانوية البنات» في جديدة المتن، الأقل عراقة وقيمة تربوية؟... هذا إذا سلّمنا جدلًا بمبدأ الدمج، على الرغم من تداعياته.
ففي «ثانوية الأخطل الصغير» طاقة شمسية حديثة، هي هبة من السفارة الفرنسية في بيروت، وقد تجاوزت كلفتها الـ60 ألف دولار أميركي. وكذلك، فالثانوية المذكورة مجهّزة بمواقف للسيارات. وأمّا مساحتها، فأكبر من مساحة «ثانوية البنات» التي تفتقر إلى كل ما في «الأخطل الصغير» من ميزات... فما المعايير التي اعتمدتها وزارة التربية في الدمج بين هاتين الثانويتين، على سبيل المثال لا الحصر؟.
وكيف يكون «ترشيد الإنفاق العام» بنقل نظام الطاقة الشمسية من «ثانوية الأخطل الصغير» إلى «ثانوية البنات»، بتكلفة تتراوح بين 3 آلاف و7 آلاف دولار، بحسب أعمال تجهيز القواعد الحديدية التي سيتطلبها نقل الألواح، بسبب ضيق المساحة في «ثانوية البنات»؟
لقد أضاء النائب إدكار طرابلسي على مسألة «دمج المدارس الرسمية»، فكتب عبر حسابه على منصة «إكس»: «خطط الدمج في وزارة التربية إضعاف للتعليم الرسمي، واستهداف للأهالي. تستمر وزارة التربية في اتخاذ قرارات بإغلاق ودمج ثانويات ومدارس رسمية في مختلف الأقضية (من برج حمود والحدث والمتن إلى الشمال)، تحت شعارات (ترشيد العمل الإداري) و(عصر النفقات) و(معالجة المؤسسات المتعثرة). وإذ نؤكد دعمنا التام لحسن التدبير ووقف الإهدار المالي، فإننا نحذّر من أن تكون هذه الخطوات غطاءً لتقليص دور المدرسة الرسمية وإقفالها نهائيًا، وبخاصة في ظل غياب أي خطة استراتيجية موازية لتقويتها وتوسيع انتشارها. إن إغلاق المدارس في مناطق ذات كثافة سكانية كبرج حمود والحدث يحرم المواطنين من حق أطفالهم في تعليم رسمي مجاني تموّله الدولة من ضرائبهم، ويجبرهم قسرًا على اللجوء إلى القطاع الخاص الذي يرهق كاهلهم بالأعباء المالية. فلا توجد دولة تسعى إلى بناء مجتمعها تفكّك بنيتها التعليمية الحكومية لصالح القطاع الخاص»...
وطالب طرابلسي وزارة التربية والتعليم العالي بـ«إعلان خطة استراتيجية واضحة ومحددة بمهل زمنية لتعزيز المدارس الرسمية قبل الاتجاه إلى إغلاق أي منها... وبضمان عدم تحميل الطلاب وأولياء الأمور أعباء مالية إضافية أو تكاليف نقل جديدة ناتجة عن عمليات الدمج... وبإعادة النظر فورًا في قرارات الدمج في المناطق المكتظة لضمان استمرارية الخدمة التعليمية واستيعاب جميع الطلاب».
وأكّد طرابلسي أن «أي خطوة لا تضع تعزيز التعليم الرسمي كأولوية قصوى، تُعدّ تخلّيًا صريحًا من الدولة عن دورها الاجتماعي، وتنصّلًا من تطبيق الحق الدستوري في التعليم للجميع، وهو ما يتناقض تمامًا مع ما نصّ عليه خطاب القسم والبيان الوزاري».
وإذا نظرنا إلى السياسة المالية للحكومة من زاوية بانورامية، فإن السؤال هو: هل أصل المعاناة التي يعيشها اللبنانيون اليوم، مع حكومة الرئيس نواف سلام، يعود إلى «سياسة التقشّف العشوائي والمطلق» التي يدفع المواطن ثمنها من جيبه، أضعافًا مضاعفة؟...
فالسياسة الحكومية المعتمدة الآن تقوم على تقليص المصاريف، وصولًا إلى عدم شراء الفيول لمعامل الكهرباء، ما يرتدّ في شكل كارثي على المواطن، وقد تجاوزت فاتورة الاشتراك بالمولّد الكهربائي، عن 5 أمبيرات، خلال شهر آب 2026، 200 دولار أميركي!...
إن سبب الفاتورة «الخيالية» للمولّد الكهربائي يعود إلى سياسة مالية لحكومة تنحر مواطنيها عبر حجب كهرباء الدولة عنهم من جهة، والضرائب الهائلة التي تفرضها على مادة المازوت من جهة ثانية! فهل انتقلنا في لبنان من الدعم العشوائي إلى التقشّف المطلق الذي لا يستثني حتى المصاريف الضرورية للمواطن، في هذا الزمن المعيشي الرديء؟
في المحصّلة، إن السياسة المالية للحكومة اليوم تتسبّب بإعدام اللبناني معيشيًا وتربويًا. ومن يزرع الظلمة والجهل، يحصد الثورة!.

















































