في الحروب، قد يكون سقوط موقع عسكري خسارة، وقد يكون تسليمه قراراً تكتيكياً، لكن الأخطر أن يصبح الاحتفاظ بالموقع أكثر كلفة من خسارته. وهذا تحديداً ما يجعل معركة علي الطاهر أكثر من مجرد معركة على موقع عسكري.
فحين طُرح أن يتسلّم الجيش اللبناني الموقع، لم تكن المسألة بالنسبة إلى حزب الله مجرد انتقاله من قوة لبنانية إلى أخرى، بل جاءت في سياق سياسي وأمني أوسع، تحت ضغط إسرائيلي-أميركي. وبرز سؤال أكثر تعقيداً: هل دخول الجيش سيكون نتيجة قرار لبناني مستقل، أم جزءاً من ترتيبات أمنية تُفرض على لبنان؟
يمكن فهم رفض الحزب من زاوية مختلفة: لم يكن رفضاً للجيش بحد ذاته، بقدر ما كان رفضاً للطريقة التي كان يمكن أن يتم بها الانتقال وما قد يترتب عليه لاحقاً.
1-رفض تكريس معادلة أمنية تُفرض من الخارج
كان تسليم علي الطاهر للجيش يعني بالنسبة إلى الحزب قبول ترتيب أمني جديد لا يكون هو صاحب القرار في تحديد قواعده. والمشكلة لا تتوقف عند الموقع نفسه، بل في احتمال أن يتحول ما يحدث فيه إلى سابقة يمكن استخدامها لاحقاً للتعامل مع مواقع ومناطق أخرى.
لذلك لم ينظر الحزب إلى دخول الجيش باعتباره مجرد انتشار لقوة لبنانية، بل باعتباره جزءاً من مسار أمني قد يجعل الطرف الآخر شريكاً في تحديد شروطه.
2-الحفاظ على القيمة الاستراتيجية للموقع وهامش القرار
علي الطاهر ليست مجرد نقطة مرتفعة ذات قيمة رمزية. موقعها الجغرافي وارتفاعها يمنحانها أهمية عملياتية، لكن أهميتها، في القراءة الأوسع، تتجاوز حدود الجنوب نفسه.
ففي الخطاب المرتبط بمحور المقاومة، تُقدَّم ساحات المواجهة، من الخليج ومضيق هرمز إلى البحر الأحمر وباب المندب وصولاً إلى جنوب لبنان، باعتبارها مترابطة ضمن معادلة إقليمية واحدة للضغط والردع. وليس المقصود أن علي الطاهر تطل جغرافياً على هرمز، بل أن قيمتها السياسية والعسكرية تُقرأ ضمن شبكة مترابطة من ساحات المواجهة. وقد ظهرت في الأشهر الأخيرة قراءات إعلامية وسياسية تربط بين الموقع ومضيق هرمز.
وبذلك، فإن خسارة علي الطاهر لا تُقرأ فقط باعتبارها فقدان مرتفع في جنوب لبنان، بل باعتبارها تراجعاً في إحدى حلقات هذه المعادلة، خصوصاً في لحظة تتزامن فيها المعركة حولها مع الصراع الأوسع حول إيران ومضيق هرمز.
وبالتالي، فإن تسليمها للجيش لم يكن في حسابات الحزب مجرد نقل مهمة أمنية من جهة لبنانية إلى أخرى، بل تراجعاً عن موقع داخل منظومة يرى أن وظيفتها تتجاوز الحدود اللبنانية.
3-الحفاظ على صورة المقاومة أمام بيئتها الحاضنة
وهذا ربما يكون العامل الأكثر حساسية سياسياً.
فحزب الله لا يتعامل مع قراراته العسكرية بمعزل عن البيئة التي تمنحه شرعيته الشعبية والسياسية. وهذه البيئة لا تنظر إلى المواقع العسكرية باعتبارها مجرد نقاط جغرافيّة، بل باعتبارها جزءاً من صورة المقاومة وقدرتها على الصمود.
لذلك فإن الانسحاب من علي الطاهر وتسليمها للجيش في لحظة مواجهة كان يمكن أن يُقرأ باعتباره تراجعاً، حتى لو قُدّم القرار باعتباره تعزيزاً لدور الدولة.
لذلك، فإن الحفاظ على صورة الحزب كقوة مقاومة لا تتخلى عن مواقعها تحت الضغط يدخل في صلب حساباته.
4-الحفاظ على استقلال القرار اللبناني
المسألة ليست رفض وجود الجيش في الجنوب، بل رفض أن يصبح دخوله إلى موقع ما نتيجة مباشرة لشروط يفرضها الخارج.
فإذا دخل الجيش بقرار لبناني مستقل، يمكن تقديم الأمر باعتباره استعادة للدولة لدورها السيادي. أما إذا جاء الدخول نتيجة ترتيبات مرتبطة بالعدو الإسرائيلي، فقد يبدو المشهد مختلفاً: المقاومة تتراجع، والدولة تملأ الفراغ، فيما يبقى مصدر القرار خارج الحدود.
وهذا ما يخشى الحزب أن يتحول إلى قاعدة سياسية، بحيث تصبح العلاقة بين الدولة والمقاومة محكومة بشروط خارجية.
وتلتقي الأسباب الأربعة عند نقطة واحدة: الحزب لم يكن يريد أن يخسر علي الطاهر سياسياً ورمزياً قبل أن يخسرها عسكرياً.
لكن هذا الخيار حمل مخاطرة واضحة. فرفض تسليم الموقع للجيش لم يضمن بقاءه في يد الحزب، بل ترك احتمالاً قائماً بأن يستفيد العدو الإسرائيلي من الخلاف حول طريقة التعامل معه، ويفرض وجوده فيه بالقوة.
وتكمن المفارقة في أن القرار الذي يهدف إلى الحفاظ على هامش الحركة وصورة المقاومة قد ينتهي إلى خسارة الموقع أمام العدو الإسرائيلي نفسه.
وفي المقابل، كان دخول الجيش سيمنح الدولة حضوراً سيادياً في موقع استراتيجي، لكنه كان سيطرح سؤالاً لا يقل أهمية: هل استعادت الدولة الموقع بقرار لبناني مستقل، أم ضمن ترتيبات فرضها الخارج؟
لذلك، فإن علي الطاهر تختصر مأزقاً أكبر من حدودها الجغرافية: مقاومة تريد الحفاظ على دورها، ودولة تريد استعادة قرارها، وخصم يستطيع استثمار التناقض بينهما.
وفي النهاية، لا يتعلق السؤال فقط بمن يسيطر على علي الطاهر، بل بمن يملك قرار الدفاع عن الأرض. وإذا كانت التلة قد دخلت في خطاب إقليمي يربط ساحات المواجهة من هرمز إلى جنوب لبنان، فإن التحدي الحقيقي يبقى في أن يكون القرار اللبناني نابعاً من الداخل، لا نتيجة لإملاء خارجي.