لم يعد رئيس الوزراء الاسرائيلي ​بنيامين نتانياهو​ يخفي ما يريد أن تكون عليه نهاية الحرب مع ​إيران​. فبعدما بدأت المواجهة تحت عنوان منع ​طهران​ من امتلاك السلاح النووي، وضرب برنامجها الصاروخي، وتقليص قدرتها على تهديد إسرائيل، وضع خلال الأيام الماضية هدفًا أكبر بكثير على الطاولة، معلنًا أن إسقاط النظام الإيراني بات «المهمة المركزية» المتبقية أمام إسرائيل، وأن هذا الهدف أصبح «في المتناول»، قبل أن يعود ويقول إن نهاية النظام تقترب، وإن إسرائيل مصممة على «إكمال المهمة».

أهمية هذا الكلام لا تكمن فقط في أن إسرائيل باتت تتحدث علنًا عن إسقاط النظام، بل في السؤال الآتي: هل يحاول نتانياهو الاستفادة من اللحظة الإيرانية الحالية لتغيير نقطة نهاية الحرب نفسها، ودفع واشنطن من مشروع تغيير سلوك النظام إلى مشروع تغيير النظام بشكل علني؟

حتى الآن، لا توجد معطيات تسمح بالقول إن ​الولايات المتحدة​ تبنّت هذا الهدف رسميًا، ولو أننا ندرك أنه هدف لها، وهذه نقطة أساسية في قراءة ما يجري. فالإدارة الأميركية لا تزال تترك باب الاتفاق مفتوحًا، ولم يعلن الرئيس الأميركي أن إسقاط النظام الإيراني أصبح هدفًا للولايات المتحدة. لكن اللغة الصادرة عن مسؤولين أميركيين خلال الأيام الماضية تستحق التوقف عندها، لأنها تكشف أن المسافة بين واشنطن وتل أبيب، وإن بقيت قائمة، لم تعد كما كانت في بداية المواجهة.

وزير الطاقة الأميركي ​كريس رايت​ قال إن ​الاتفاق النووي​ مع إيران قد لا يحصل، وإن الولايات المتحدة تستطيع في هذه الحالة الاستمرار في تدمير القدرات الإيرانية، لكنه ذهب إلى أبعد من ذلك عندما تحدث عن احتمال أن ينتظر الاتفاق «الإدارة المقبلة في إيران». وفي الوقت نفسه، كان وزير الخزانة ​سكوت بيسنت​ يتحدث عن استراتيجية تقوم على «خنق» النظام الإيراني اقتصاديًا، وملاحقة موارده ومصادر تمويل ​الحرس الثوري​، مع تأكيده أن الغاية من هذه الضغوط هي الوصول إلى اتفاق.

وبالتالي، لا تزال واشنطن، في خطابها المعلن على الأقل، عند معادلة الضغط لتغيير السلوك، بينما انتقل نتانياهو إلى معادلة مختلفة تقول إن المشكلة لم تعد في سلوك النظام فقط، بل في وجوده.

هذا الفارق مهم، لكنه يكشف أيضًا عن مساحة جديدة بدأت تظهر بين الموقفين. فعندما يقول مسؤول أميركي إن الاتفاق قد ينتظر إدارة إيرانية مقبلة، وحين تتحدث واشنطن في الوقت نفسه عن خنق النظام اقتصاديًا والاستمرار في تدمير قدراته إذا تعذّر الاتفاق، تصبح المسألة أبعد قليلًا من المفاوضات النووية التقليدية.

الولايات المتحدة لا تقول إنها ستسقط النظام، لكنها أيضًا لم تعد تتعامل مع بقاء القيادة الحالية باعتباره شرطًا ضروريًا للوصول إلى التسوية. وهنا تحديدًا يمكن فهم رفع نتانياهو للسقف.

فقد يكون رئيس الوزراء الإسرائيلي يحاول استثمار لحظة يعتبرها استثنائية. فإيران تحت ضغط عسكري واقتصادي كبير، وقدراتها تعرّضت لضربات قاسية، والاتفاق النووي غير مضمون، والإدارة الأميركية مستعدة لمواصلة الضغط. وبالنسبة إليه، قد تكون العودة من هذه النقطة إلى اتفاق جديد مع طهران بمثابة إنقاذ للنظام في اللحظة التي يرى فيها أن فرصة إسقاطه أصبحت ممكنة.

في المقابل، فإن الانتقال من استهداف قدرات إيران إلى استهداف بقاء النظام يغيّر تلقائيًا وظيفة ساحات النفوذ الإيراني في المنطقة. فإذا كانت طهران تخوض معركة حول برنامج نووي أو شروط اتفاق، يمكن أن تكون لديها مصلحة في ضبط بعض الجبهات. أما إذا اقتنعت بأن الهدف النهائي للحرب أصبح إسقاط النظام، فإن حساباتها ستختلف، لأن الاحتفاظ بعناصر القوة المتبقية خارج إيران سيصبح جزءًا من معركة البقاء نفسها.

من هنا يصبح ​لبنان​ واحدًا من أكثر الملفات حساسية. فخلال المرحلة الماضية، جرت محاولات للتعامل مع ملف ​حزب الله​ باعتباره مشكلة لبنانية يمكن وضعها على مسار خاص، بدءًا من سلاح الحزب، ودور الجيش، والترتيبات الأمنية في الجنوب، والانسحاب الإسرائيلي، والأسرى والنقاط الحدودية، وصولًا إلى البحث عن صيغة تسمح بإبعاد لبنان قدر الإمكان عن المواجهة الإيرانية ـ الإسرائيلية.

لم تنجح هذه المحاولات حتى الآن في إنتاج تسوية نهائية، لكن مجرد وجود مسار تفاوضي كان يعني أن هناك إمكانية، ولو محدودة، لفصل الملف اللبناني عن أصل الصراع مع إيران. أما إذا أصبحت نهاية الحرب المطلوبة إسرائيليًا هي إسقاط النظام الإيراني، فإن هذا الفصل يصبح أكثر صعوبة، لأن إسرائيل، التي تعتبر أنها تخوض معركة لإنهاء هذا النظام، ستكون أكثر ميلًا إلى النظر إلى الحزب باعتباره جزءًا من القدرة الإيرانية التي ينبغي إضعافها وإنهاؤها.

لكن ذلك لا يعني أن المنطقة ذاهبة حكمًا إلى هذا السيناريو. فكلام نتانياهو قد يكون أيضًا جزءًا من الحرب النفسية على الداخل الإيراني، ومحاولة لإظهار القيادة الإيرانية عاجزة عن حماية نفسها ودولتها، كما يمكن أن يكون وسيلة للضغط على واشنطن ومنعها من العودة سريعًا إلى المفاوضات.

ولذلك، فإن الاختبار لن يكون في ما سيقوله نتانياهو، بل في ما ستقوله وتفعله الولايات المتحدة.

إذا بقيت واشنطن عند معادلة العقوبات والضربات والضغط للوصول إلى اتفاق، فهذا يعني أن تغيير النظام يبقى هدفًا إسرائيليًا لا أميركيًا، وأن هناك نقطة سياسية يمكن أن تتوقف عندها الحرب. أما إذا بدأت اللغة الأميركية تنتقل من الحديث عن «إدارة إيرانية مقبلة» إلى التعامل مع تغيير القيادة أو النظام باعتباره شرطًا للتسوية، فعندها نكون أمام حرب مختلفة كليًا، لأن التفاوض يفترض وجود طرف يمكن الوصول معه إلى تسوية، بينما إسقاط النظام يعني أن التسوية لا تبدأ قبل اختفاء هذا الطرف.

لذلك، ربما لا يكون السؤال اليوم ما إذا كان نتانياهو قادرًا فعلًا على إسقاط النظام الإيراني، إذ لا توجد حتى الآن معطيات تسمح بالجزم بأن هذا الهدف قريب أو حتى قابل للتحقق بالطريقة التي يعرضها، بل السؤال هو ما إذا كان قادرًا على إقناع واشنطن بأن اللحظة الحالية يجب ألا تنتهي باتفاق جديد مع إيران.