أطلق وزير المهجرين ووزير الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الإصطناعي ​كمال شحادة​ "الدبلوم المهني في ​الذكاء الاصطناعي​ لمدققي الحسابات"، بدعوة من ​نقابة خبراء المحاسبة المجازين​ في ​لبنان​ بالتعاون مع ​إتحاد المحاسبين والمراجعين العرب​.

جاء ذلك خلال حفل اقيم في نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان، شارك فيه وزير الاعلام ​بول مرقص​.

وأكد الوزير شحادة في كلمته أن "الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل العديد من المهن"، مشدداً على أن "مهنة التدقيق من المهن التي يمكن لهذه التكنولوجيا أن تعزز قدراتها بشكل كبير، لا أن تلغي دور العاملين فيها".

وشدد على أن "التحول في مهنة التدقيق لا يرتبط بالذكاء الاصطناعي وحده، بل بالتطور التكنولوجي الأوسع الذي أتاح تتبع العمليات والمعاملات وربط البيانات واستخدام أجهزة الاستشعار وأنظمة المراقبة والوصول إلى مصادر متعددة للمعلومات".

وأوضح أن "هذه التطورات تتيح للمدققين الانتقال من الاعتماد على عينات محدودة من البيانات إلى تحليل مجموعات ضخمة منها، كما تمكّنهم أدوات الذكاء الاصطناعي من اكتشاف الأنماط غير الاعتيادية والتركيز عليها للتحقق من ارتباطها بعمليات احتيال أو مخاطر أخرى. وأضاف أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يمكن أن يساعد في مراجعة كميات كبيرة من المستندات وتلخيصها وتحديد المعلومات الأكثر صلة بعملية التدقيق، إضافة إلى تحديد المخاطر والمساعدة في طرح الأسئلة الصحيحة، بما قد يحوّل التدقيق تدريجياً من عملية دورية إلى عملية أكثر استمرارية".

كما أشار شحادة إلى أن "هذه الفرص ترافقها تحديات حقيقية، أبرزها احتمال وقوع الذكاء الاصطناعي في الأخطاء والهلوسات، إضافة إلى أن جودة مخرجاته ترتبط بجودة البيانات التي يصل إليها". وشدد على أهمية "الاستثمار في البيانات، إلى جانب الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، وعدم الاكتفاء بالتركيز على الأدوات والتكنولوجيا".

كما شدد على أن "المسؤولية القانونية والمهنية لا تنتقل إلى الآلة، وأن المدقق يبقى مسؤولاً عن استنتاجاته ونتائجه وعن قدرته على تفسيرها والدفاع عنها"، مؤكداً أهمية "الحفاظ على الشكل المهني والحكم المهني، إلى جانب تعزيز الثقافة والوعي بالبيانات والحوكمة و​الأمن السيبراني​ وحماية خصوصية المعلومات".

وفي هذا السياق، عرض شحادة جانباً من عمل وزارة الدولة لشؤون التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، مشيراً إلى "العمل على تطوير الإطار التشريعي والتنظيمي، وفي مقدمته مشاريع القوانين المتعلقة بحماية البيانات والخصوصية والأمن السيبراني وتنظيم قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، بالتوازي مع تطوير منظومة التكنولوجيا والابتكار ودعم الشركات الناشئة والاستثمار فيها".

وأكد أن "الاستثمار في الإنسان ومهاراته يشكل جزءاً أساسياً من هذا التحول"، لافتاً إلى "​برنامج نُمُو​ الذي تعمل الوزارة من خلاله على تطوير المهارات الرقمية ومهارات الذكاء الاصطناعي وإعداد اللبنانيين لمستقبل العمل".

وختم شحادة بالتأكيد أن "التحديات التي تواجه مهنة التدقيق في عصر الذكاء الاصطناعي تشبه تلك التي تواجهها مهن أخرى، بما فيها صانعو السياسات، والسؤال الأساسي أمام الجميع هو كيفية الاستفادة من قدرات التكنولوجيا من دون التخلي عن الحكم البشري والمسؤولية"، معرباً عن أمله في أن "يشكل الدبلوم نموذجاً لتعاون أوسع بين الدولة والهيئات المهنية والقطاعين الأكاديمي والخاص".

والقت ​غرازييلا حبيقة​ كلمة رئيس اتحاد المحاسبين والمراجعين العرب ​جواد الشهيلي​ وقالت: "يسرني أن أرحب بكم جميعاً باسم الاتحاد أجمل ترحيب في افتتاح أعمال هذا البرنامج التدريبي المميز والنوعي حول الذكاء الاصطناعي للمدققين والأدوات والتقنيات والذي يسعدنا في الاتحاد أن نكون رعاته وداعميه إيماناً منا بالمسؤولية التاريخية والمهنية الملقاة على عاتقنا لتمكين المحاسب والمراجع العربي وتزويده بالمهارات والمعارف العصرية التي تجعله قادراً على قيادة التغيير والمنافسة في بيئة أعمال عالمية متسارعة التحول".

أضافت: "إن مهنة المحاسبة والتدقيق تشهد اليوم تحولاً جذرياً وغير مسبوق فلم تعد الأدوات والأساليب التقليدية قادرة وحدها على استيعاب حجم وتعقيد البيانات المالية والغير مالية التي تنتجها مؤسسات اليوم، لقد أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي والتحليلات المتقدمة للبيانات والخوارزميات الذكية تعيد تشكيل كافة ملامح عملنا المهني، بدءا من كيفية إعداد خطط التدقيق وتقييم المخاطر مرورا بتنفيذ الاختبارات التفصيلية ووصولا إلى صياغة التقارير وعرض النتائج على أصحاب المصلحة. وفي ظل هذا التسارع التقني بات من الواضح أن الذكاء الاصطناعي ليس مجرد خيار تكنولوجي إضافي، بل هو واقع جديد يتطلب منا إعادة تعريف أدوارنا، وتطوير مهاراتنا، والحفاظ الراسخ على جوهر مهنتنا، القائم على العناية المهنية الواجبة، والأخلاقيات الصارمة، والامتثال للمعايير المحلية والدولية والتنظيمية".

واعلنت ان "القائمين حرصوا على تصميم هذا البرنامج المتكامل على أن تكون محاوره وأطروحاته مستوعبة لكل هذه التطورات ومتعمقة في تفاصيلها العملية والعلمية، حيث ينطلق هذا البرنامج من التأسيس المعرفي العميق للذكاء الاصطناعي في بيئة التدقيق، مميزاً بين التطور الحقيقي لهذه التقنيات وبين الأتمة السطحية وموضحاً القدرات المتطورة كما نولي اهتماما بالغة الأهمية ،لتأكيد مفهوم الشكل المهني والمسؤولية المباشرة للمراجع أو المدقّق وكيفية إدارة المخاطر الجديدة التي أفرغتها هذه التقنيات،مثل مخاطر الرقابة والتحيّز وعدم الموضوعية لضمان انسجام استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مع أنظمة إدارة الجودة بالمكاتب والمؤسسات المحاسابية".

وتحدث نقيب خبراء المحاسبة في لبنان أيلي عبود، فقال: "حين نتحدث عن نقابة خبراء المحاسبة المجازين في لبنان، فنحن لا نتحدث فقط عن نقابة تدافع عن حقوق أعضائها أو تنظّم برامج التدريب والتأهيل المهني، على أهمية هذه الأدوار؛ بل نتحدث عن مؤسسة مهنية لها دور وطني ومسؤولية مباشرة في كل ما يتصل بالشفافية المالية، والحوكمة، والإلتزام الضريبي، والإصلاح الاقتصادي والمالي، وتطوير التشريعات ذات الصلة. وقد حرصت النقابة، انطلاقاً من هذه المسؤولية، على أن تكون شريكاً أساسياً في النقاش التشريعي والإصلاحي في لبنان، وأن تضع خبرتها المهنية والفنية في خدمة الدولة ومؤسساتها.فلم تقف النقابة موقف المتلقي أمام مشاريع القوانين الإصلاحية الأساسية التي طُرحت خلال المرحلة الماضية، بل درستها وأرسلت ملاحظاتها واقتراحاتها بشأنها، ولا سيما ما يتعلق بإصلاح القطاع المصرفي، وإعادة الانتظام المالي والمصرفي، انطلاقاً من قناعة راسخة بأنّ أي إصلاح مالي أو مصرفي لا يمكن أن يكتمل من دون أرقام موثوقة، ومعايير واضحة، وشفافية، ومساءلة، وحماية للحقوق".

وأضاف: "في المجال الضريبي، لم تكتفِ النقابة بتشخيص المشكلات، بل تقدّمت إلى مجلس الوزراء باقتراح يهدف إلى تعزيز الالتزام الضريبي وتفعيل الفاتورة الإلكترونية، باعتبارها إحدى الأدوات الأساسية للانتقال من الإدارة التقليدية إلى الإدارة الرقمية، وتوسيع قاعدة الامتثال، والحدّ من التهرّب الضريبي، وتعزيز العدالة بين المكلّفين، وتوفير معلومات أكثر دقة للدولة من أجل اتخاذ القرار".

وتابع: "وفي الإطار المحاسبي للموازنة، لقد حان الوقت لاعتماد معايير المحاسبة الدولية للقطاع العام (IPSAS) لاعداد البيانات المالية للدولة اللبنانية. فإنّ النظام المحاسبي الحالي المعتمد بموجب قانون المحاسبة العمومية غير قادر على اعداد بيانات مالية موثوقة وقابلة للتدقيق. فهذا النظام المحاسبي يبقى نظاماً يقيس التدفقات النقدية للسنة من خلال تسجيل الإيرادات المحصلة كما عقد النفقة والإلتزام بها لا المركز المالي للدولة: فلا يُظهر الأصول التي تملكها الدولة، ولا الالتزامات طويلة الأجل المترتّبة عليها، ولا الذمم المستحقة لها. وبهذا المعنى، تبقى الموازنة في لبنان وثيقة إجازة إنفاق، لا بياناً عن المركز المالي للدولة".

واردف: "هذا هو الدور الذي نريده للنقابة :أن تكون موجودة حيث تُصنع القرارات الاقتصادية والمالية، وأن تقدّم الرأي المهني المستقل، وأن تحوّل خبرة أعضائها إلى قيمة مضافة في خدمة المصلحة العامة.وأعلن: إنّ الدبلوما المهنية التي نطلقها اليوم صُمّمت خصيصاً لمدقّقي الحسابات الممارسين، بلغة المهنة لا بلغة المبرمجين، وهي تأخذ من أساسيات الذكاء الاصطناعي وفن صياغة الأوامر للحصول على مخرجات دقيقة وموثوقة، إلى توظيف هذه الأدوات في تخطيط التدقيق، وتقدير المخاطر، والإجراءات التحليلية، واختبار القيود، وكشف مؤشرات الاحتيال، مروراً بتحليلات البيانات الشاملة باستعمال نماذج إحصائية (قانون بنفورد، إلخ.) وتطبيقات Power BI، ولوحات المعلومات، وصولاً إلى الأمن السيبراني وأخلاقيات الذكاء الاصطناعي وحوكمة استخدامه والمساءلة عن مخرجاته.الآلة تستطيع أن تجمع وتحلّل وتفرز وتقترح، ولكن الحكم المهني يبقى للإنسان، والشك المهني يبقى للإنسان، والمسؤولية تبقى للإنسان، والتوقيع، أيها الزملاء، يبقى للإنسان".

وقال: "إنّ رأسمال مهنتنا الحقيقي ليس البرامج ولا الأجهزة ولا حتى التكنولوجيا، بل الثقة، ثقة المستثمر، والمودع، والإدارة الضريبية، وصاحب المؤسسة، والمواطن، بأنّ الأرقام التي نضع توقيعنا عليها أرقام يمكن الاعتماد عليها.ولهذا، فإنّ كل تقنية ندخلها إلى مهنتنا يجب أن تعزّز هذه الثقة لا أن تنتقص منها، وأن تحافظ على الاستقلالية والموضوعية وسرية البيانات والحكم المهني والرقابة البشرية. والتكنولوجيا بالنسبة إلينا ليست منفصلة عن الإصلاح الوطني الذي يتمثل في إعادة بناء اقتصاده، وإصلاح قطاعه المالي، وتحديث مؤسسات دولته، واستعادة ثقة المواطن والمستثمر والمجتمع الدولي به. وهنا تحديداً تبرز مسؤولية نقابة خبراء المحاسبة المجازين".

وختم: "نحن اليوم لا نطلق دبلوما فحسب، نحن نؤكد خياراً اتخذته النقابة: أن تكون في قلب الإصلاح، وفي قلب التحوّل الرقمي، وفي قلب تطوير المهنة. أن نحافظ على ثوابت مهنتنا من استقلالية ونزاهة وموضوعية ومساءلة، وفي الوقت نفسه نمتلك أدوات المستقبل،وأن نثبت مرة جديدة أنّ مهنة المحاسبة والتدقيق ليست مهنة تسجيل الماضي فقط، بل مهنة تساهم في بناء المستقبل".