بالتزامن مع تصعيد الجيش الإسرائيلي عملياته العسكرية بشكل كبير في الجنوب، مُوقعًا عشرات القتلى والجرحى، ومنفذًا المزيد من عمليات التدمير الممنهج، عمدت وسائل إعلام إسرائيلية إلى الترويج لخطة تقضي بانسحاب قوات الاحتلال بعد انتهاء عمليات التفجير الرامية إلى تدمير أنفاق تلال «علي الطاهر».
لكن خطة إسرائيل المذكورة للانسحاب أخطر من بقاء الاحتلال! وهذه هي الأسباب:
أولًا: لا يوجد أي تعهّد رسمي إسرائيلي بتنفيذ أي انسحاب، ولو حتى جزئيًا، بل مجرد تسريبات إعلامية قد يكون الهدف منها محاولة تبريد الأجواء، منعًا لانفجار الوضع العسكري بشكل شامل على الجبهة الشمالية.
وبالتالي، يمكن أن يكون الأمر مجرد مناورة لدفع «حزب الله»، ومن يقف خلفه من قوى إقليمية، إلى التغاضي عن الاعتداءات والمجازر المتصاعدة في الجنوب، وعدم التفكير في الرد، باعتبار أن الجيش الإسرائيلي سيُخلي العديد من البلدات والقرى المحتلة في المستقبل القريب.
حتى إن هناك تخوفًا من أن يكون الحديث عن انسحاب محتمل عبارة عن خدعة لإخفاء استعدادات إسرائيلية لتوسيع المنطقة الأمنية باتجاه جبل الريحان وتلال سجد تحديدًا، وربما نحو مدينة النبطية.
ثانيًا: حتى لو كانت الخطة صحيحة وجدية، فإنها لا تزال عند المستوى العسكري الإسرائيلي ولم تصل بعد إلى المستوى السياسي. بمعنى آخر، تشير المعلومات المتوفرة إلى أن قيادات عسكرية إسرائيلية تدفع باتجاه الانسحاب والتراجع نحو الحدود، لكن القيادة السياسية لم تُعطِ أي «ضوء أخضر» في هذا السياق على الإطلاق.
ثالثًا: إذا افترضنا أن الخطة جدية، وأنها ستُنفذ بعد نيل الموافقة السياسية عليها، فهي تحمل في طياتها العديد من البنود شديدة الخطورة.
فالانسحاب المزعوم جزئي، ويشمل إبقاء الاحتلال على خط دفاعي إسرائيلي أمامي يمتد على طول الحدود مع لبنان، بعمق يتراوح بين كيلومترين وأربعة كيلومترات، بحسب طبيعة التضاريس الأرضية، وينص على إقامة نقاط مراقبة عسكرية ثابتة ودائمة. أي إن الخط الحدودي سيبقى محتلًا بشكل مستدام.
رابعًا: الانسحاب الجزئي نحو الحدود لن يتم إلا بعد التوصل إلى تفاهمات استراتيجية مع لبنان في هذا الصدد، بخصوص سلاح «حزب الله»، ونيل ضمانات من الجيش اللبناني بمنع أي ظهور مسلح في المنطقة الفاصلة، والحصول على غطاء أميركي يكفل التنفيذ الدقيق.
خامسًا: ستُبقي إسرائيل القرى والبلدات الجنوبية التي يُفترض أن تُخليها تحت أعينها، لجهة رصد الحركة فيها من الجو وعبر كاميرات المراقبة، مع منع السكان من العودة إليها، لتشكّل هذه المنطقة مساحة خالية تجعل من غير الممكن مهاجمة الجيش الإسرائيلي من مسافة قريبة.
وستكون عودة السكان إلى هذه المناطق المدمرة أصلًا مرتبطة بسلسلة طويلة من المفاوضات الشاقة التي قد تستغرق فترات زمنية طويلة، وربما تكون مستعصية في حال ربط الجانب الإسرائيلي هذه المفاوضات بإجراءات ميدانية على الجيش اللبناني تنفيذها أولًا ضد عناصر «حزب الله» ومخازن سلاحه، قبل البحث في أي عودة.
سادسًا: بقاء الاحتلال في الجنوب، كما هو الوضع عليه حاليًا، يُبقي الأمور نظريًا أمام احتمالين: الأول يتمثل في التوصل مستقبلًا إلى اتفاق محدد يؤمّن انسحاب الجيش الإسرائيلي إلى ما وراء الحدود المعترف بها دوليًا، والثاني يقضي بالعودة إلى زمن تنفيذ عمليات مقاومة لإيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر في صفوفه.
أما الانسحاب الجزئي والمشروط، وفق خطة مشبوهة، فهو يقطع الطريق أمام أي انسحاب كامل في المستقبل، ويمهّد الطريق أمام فرض وقائع ديمغرافية على الأرض لا يمكن تغييرها بسهولة، حتى ولو بعد مرور سنوات طويلة.
كما أن طبيعة الخطة الإسرائيلية تجعل مسألة شن حرب عصابات لاستنزاف قوات الاحتلال وإرغامها على الانسحاب، ولو بعد حين، غير قابلة للتنفيذ من الناحية العملية.
في الخلاصة، قد يكون اللبنانيون يتطلعون إلى انسحاب الجيش الإسرائيلي من الجنوب اليوم قبل الغد، وقد يظنون أن ما يُشاع عن خطة للانسحاب هو بداية مسار الفرج، لكن الواقع الحقيقي ليس كذلك، إذ إن الخطة الإسرائيلية للانسحاب ملغومة على صعيد البنود التي تتضمنها، ولا تصب في مصلحة لبنان على الإطلاق.
والأخطر أنه أمام فشل الفريق اللبناني المفاوض في التخفيف من وطأة السياسة العدائية الإسرائيلية، وفي ظل عجز «حزب الله» المتزايد عن استرداد ولو جزء قليل من الردع الأمني الذي كان يملكه قبل ثلاث سنوات، فإن مصير القرى والبلدات الجنوبية المحتلة صار رهنًا بالقرار الإسرائيلي حصرًا!























































