ليس السابع عشر من أيلول موعدًا لمؤتمر دولي جديد تُفتح خلاله صناديق الدعم أمام الجيش اللبناني، كما قد يوحي الحديث المتزايد عنه في الأيام الأخيرة، بل هو اجتماع تحضيري تستضيفه باريس تمهيدًا للمؤتمر الدولي المخصص لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. لكن أهمية هذا الاجتماع تتجاوز مسألة تحديد حاجات المؤسسة العسكرية، لأن المؤتمر الذي كان يُفترض أن يُعقد أساسًا في آذار الماضي، قبل أن تؤجله الحرب الإقليمية، يعود اليوم في ظروف مختلفة كليًا، أصبح فيها الجيش في قلب معظم الملفات في لبنان، من الجنوب إلى سلاح حزب الله، ومن الانسحاب الإسرائيلي إلى مرحلة ما بعد «اليونيفيل».
الجديد اليوم ليس الحديث عن دعم الجيش، بل حجم الوظيفة التي بات المجتمع الدولي يطلب من المؤسسة العسكرية أن تتحملها في المرحلة المقبلة، في وقت لا تزال فيه قدراتها البشرية واللوجستية والعسكرية أقل من حجم المسؤوليات الملقاة على عاتقها.
بحسب مصادر مطلعة، تستضيف باريس في 17 أيلول الاجتماع التحضيري بمشاركة وفود عسكرية وخبراء وممثلين عن دول ومنظمات دولية، فيما أُبلغ المسؤولون اللبنانيون بنية الولايات المتحدة والسعودية المشاركة، وأعلن الأردن دعمه الكامل للمؤتمر خلال زيارة قائد الجيش العماد رودولف هيكل إلى عمّان ولقائه الملك عبدالله الثاني.
وبالتالي، نحن أمام محاولة لإعادة تجميع شبكة دعم عربية ودولية حول المؤسسة العسكرية، لكن هذه المرة في ظل وظيفة مختلفة للجيش عن تلك التي كانت قائمة قبل الحرب.
تكشف المصادر عبر «النشرة» أن المطلوب من الجيش اليوم هو أن ينفذ عمليًا قرار الدولة بحصرية السلاح، وأن يكون في الوقت نفسه جزءًا أساسيًا من أي ترتيبات أمنية يجري التفاوض عليها في الجنوب. وخلال الأشهر الماضية، قامت إحدى أبرز أفكار المسار التفاوضي على أن يدخل الجيش إلى مناطق محددة ويتولى المسؤولية فيها، بما يسمح لاحقًا باختبار ترتيبات يمكن توسيعها إلى مناطق أخرى.
وفي كل مرة، كان النقاش يصل إلى السؤال نفسه: إذا كان لبنان يقول إن الدولة مستعدة لتولي المسؤولية، فهل تمتلك هذه الدولة فعلًا القوة القادرة على القيام بذلك؟ وإذا كان المطلوب من الجيش أن ينتشر على مساحة أكبر، ويتحمل مسؤوليات كانت موزعة سابقًا بينه وبين «اليونيفيل»، وأن يصبح الجهة المسلحة الوحيدة الموجودة على الأرض، فمن أين تأتي الإمكانات البشرية والتقنية واللوجستية اللازمة لذلك؟
تشير المصادر إلى أن المجتمع الدولي لا يستطيع أن يطلب من لبنان تطبيق حصرية السلاح، وأن يطالب الجيش بالانتشار جنوبًا، وأن يبحث في الوقت نفسه عن ترتيبات لما بعد «اليونيفيل»، ثم يترك المؤسسة العسكرية من دون الإمكانات التي تسمح لها بتحمل هذه الأعباء.
ولذلك، فإن المهم في باريس هو معرفة ما إذا كان الدعم للجيش يهدف إلى إبقائه قادرًا على العمل ضمن واقعه الحالي، أم إلى بناء قدرات تسمح له فعلًا بأن يصبح القوة التي تتحمل المسؤولية الكاملة عن الأرض في المرحلة المقبلة.
وترى المصادر أن الجيش لا يحتاج إلى مساعدات ظرفية أو رواتب وتجهيزات تسمح له بالصمود فحسب، بل إلى قدرات تتناسب مع الدور الذي يجري رسمه له. وهنا تظهر أهمية المشاركة الأميركية والسعودية المتوقعة.
ففرنسا والأردن يدفعان باتجاه إنجاح المسار، لكن وجود واشنطن والرياض يعطيه وزنًا سياسيًا مختلفًا، خصوصًا أن الولايات المتحدة هي الطرف الأكثر تأثيرًا في المسار التفاوضي مع إسرائيل. وبالتالي، فإن مستوى المشاركة الأميركية وطبيعة الالتزامات التي يمكن أن تخرج عن الاجتماع سيكونان من المؤشرات التي تسمح بفهم ما إذا كانت واشنطن تتعامل مع المؤتمر باعتباره فرصة دعم تقليدية، أم جزءًا من بناء الترتيبات التي تريد الوصول إليها في لبنان.
الأمر نفسه ينطبق على السعودية، لأن عودة الرياض إلى الانخراط في دعم المؤسسة العسكرية لا يمكن فصلها عن نظرتها الأوسع إلى الدولة اللبنانية ودورها، خصوصًا أن عنوان حصرية السلاح لم يعد مسألة أمنية فقط، بل أصبح واحدًا من الشروط السياسية الأساسية لإعادة بناء علاقة مختلفة بين لبنان وعدد من الدول العربية والدولية.
لكن المشكلة أن دعم الجيش وحده لا يحل المعضلة اللبنانية. فالجيش يستطيع تنفيذ مهمة عندما تتوافر لها الشروط السياسية والميدانية، لكنه لا يستطيع أن يحل محل القرار السياسي. ويمكن للدول أن تزوده بالسلاح والآليات والتكنولوجيا والرواتب، لكنها لا تستطيع أن تطلب منه وحده معالجة خلاف داخلي بحجم سلاح حزب الله، ولا أن تحمّله مسؤولية تنفيذ ترتيبات أمنية فيما تبقى إسرائيل داخل الأراضي اللبنانية وتواصل عملياتها العسكرية.
تشدد المصادر على أن نجاح الجيش في الجنوب يتوقف على وجود معادلة سياسية تسمح له بأن يصبح فعلًا صاحب الأرض. وإذا انتشر الجيش في منطقة ثم بقيت إسرائيل قادرة على دخولها أو قصفها، فإن المشكلة لن تكون في قدرة المؤسسة العسكرية على الانتشار، بل في معنى هذا الانتشار نفسه، وفي إسرائيل.
وهنا أيضًا لا بد من التمييز بين دعم الجيش واستخدامه كوسيلة. فحتى الآن تحظى المؤسسة العسكرية بغطاء داخلي واسع، وحتى داخل البيئة الشيعية لا يمكن اختصار النقاش بمعادلة تقول إن هناك من يريد الجيش ومن يرفضه، لأن مطلب وجود الدولة وتحملها مسؤولية الأرض وحماية الناس ليس مطلب فئة لبنانية في مواجهة فئة أخرى.
المشكلة بالنسبة إلى جزء كبير من اللبنانيين، وخصوصًا في الجنوب، ليست في أن تتدخل الدولة، بل في أن تتدخل ثم تتراجع عند أول استحقاق، وأن تطلب من الناس تسليم مسؤولية أمنهم إليها من دون أن تكون قادرة على حمايتهم أو منع إسرائيل من استهدافهم.
لذلك، فإن مؤتمر دعم الجيش يمكن أن يكون محطة أساسية. فإذا كان المجتمع الدولي يريد فعلًا نقل لبنان إلى مرحلة تصبح فيها الدولة مسؤولة عن أمنها وحدودها وسلاحها، فعليه أن يبني قدرة هذه الدولة بالتوازي مع إزالة الأسباب التي تمنعها من ممارسة هذه المسؤولية، وفي مقدمتها الاحتلال والاعتداءات الإسرائيلية المستمرة.
أما إذا أصبح المطلوب من الجيش أن يتحمل وحده نتائج معادلة سياسية وأمنية لم تُحل بعد، فإن زيادة قدراته لن تكون كافية لحل المشكلة.





















































