حاولت السعودية، من خلال اتفاق مكة الثلاثي الذي ضمّها إلى تركيا وباكستان، الانتقال من الاعتماد على مظلة أمنية واحدة إلى منظومة أمن متعددة الطبقات، خصوصًا بعد آثار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران وتداعياتها. ولم يعد من المنطقي النظر إلى الأمر باعتباره محاولة لإنشاء «حلف إسلامي» شبيه بـ«حلف الأطلسي» (الناتو) بالمعنى التقليدي، فالاختبار الحقيقي للاتفاق لا يكمن في نص الدفاع المشترك، وإنما في قدرته على تحويل القوة الاقتصادية السعودية، والتكنولوجيا العسكرية التركية، والقدرة العسكرية والردعية الباكستانية، إلى إمكانات سياسية وعسكرية قابلة للاستخدام. وقد بدأت هذه العملية فعليًا مع إنشاء الآليات السياسية والعسكرية واجتماع اللجنة الاستراتيجية في نهاية آب الفائت.
أثار الاتفاق بعض القلق من أن تعمد الرياض إلى استبدال واشنطن، لكن الواقع يشير إلى أنه وسيلة لرفع القدرة السعودية على التفاوض معها. فقد أصبحت الرياض أقل استعدادًا لقبول معادلة «الأمن مقابل الاعتماد»، فيما تعزز الحرب الحالية مع إيران والهجمات الحوثية الأخيرة، التي أصابت أهدافًا عسكرية ومنشآت مرتبطة بالطاقة وأوقعت عشرات الإصابات، هذا التوجه، وفرضت حقيقة أن وجود القوة الأميركية لا يلغي الحاجة إلى قدرة إقليمية ذاتية على الردع. لذلك، قد يؤدي الاتفاق إلى تقوية العلاقة الأميركية-السعودية على أساس أكثر توازنًا: تبقى واشنطن الضامن التكنولوجي والاستراتيجي الأهم، فيما تحصل الرياض على خيارات إضافية.
أما مع روسيا، فالنتيجة مختلفة. فالانخراط في هذا الاتفاق لا يعني انضمام السعودية إلى محور غربي ضد موسكو، بل يعزز سياسة الرياض القائمة على تعدد الشراكات. وهذا يمنحها مساحة أوسع للتعامل مع روسيا في مجالات الطاقة و«أوبك+» والتسويات الإقليمية، من دون أن تصبح موسكو شريكها الأمني الرئيسي. والأهم أن السعودية تستطيع استخدام علاقتها المتوازنة مع روسيا كرافعة دبلوماسية، فيما توظف شراكتها مع تركيا وباكستان كرافعة أمنية. وبذلك، يصبح الهدف السعودي ليس الاختيار بين واشنطن وموسكو، وإنما منع أي منهما من احتكار خيارات المملكة.
خليجيًا، يخلق الاتفاق وضعًا أكثر تعقيدًا. فالدول الخليجية الأخرى لن تنظر إليه بالضرورة كتهديد، لأن السعودية هي القوة المركزية في مجلس التعاون، لكن ظهور منظومة دفاعية سعودية مستقلة نسبيًا قد يدفع الإمارات وقطر والكويت والبحرين وعُمان إلى إعادة تقييم ترتيباتها الأمنية. والأرجح أن تكون النتيجة شبكة أمنية متعددة الشركاء، لا تحالفًا خليجيًا موحدًا: تبقى أميركا حاضرة، وتتوسع تركيا، وتصبح باكستان أكثر ارتباطًا بأمن الخليج.
أما إيران، فهي المتضرر الاستراتيجي الأكبر، حتى لو لم يكن الاتفاق موجّهًا رسميًا ضدها. وتكمن المشكلة بالنسبة إلى طهران في أن السعودية وتركيا وباكستان دول تملك معها علاقات أو قنوات تفاوضية، وبالتالي فإن تحويلها إلى إطار أمني واحد يقلّص قدرة إيران على التعامل مع كل دولة منفردة. كما تجعل الهجمات الحوثية الحالية هذا الأثر أكثر مباشرة، إذ حذرت باكستان إيران من ضرورة كبح الحوثيين، مع تأكيد إسلام آباد أن دورها دفاعي. وهنا يتحول الاتفاق من ردع نظري إلى أداة ضغط دبلوماسي على إيران.
أما إسرائيل، فقد يكون أثر الاتفاق عليها مزدوجًا. فمن جهة، يشكّل احتواء إيران فرصة مهمة لها، ومن جهة أخرى، فإن نشوء كتلة أمنية إقليمية تضم السعودية وتركيا وباكستان، ولا تتطابق سياساتها مع إسرائيل، يحدّ من قدرة تل أبيب على احتكار المبادرة الأمنية في الشرق الأوسط. والأهم أن السعودية تستطيع الآن الفصل بصورة أوضح بين التعاون الأمني مع واشنطن وبين التطبيع مع إسرائيل، خصوصًا أن الملف النووي الأميركي-السعودي والتطبيع ما زالا مرتبطين بشروط سياسية متعارضة حول القضية الفلسطينية.
ما يقدمه اتفاق مكة ليس مجرد إنشاء تحالف عسكري جديد، بل العمل على توزيع الاعتماد الأمني تدريجيًا، بعيدًا عن الاعتماد الحصري على المظلة الأميركية. ويتوقف نجاح هذا الأمر على ثلاثة اختبارات: هل يتحول التعاون إلى قوات وقدرات مشتركة فعلية؟ هل ينضم لاعبون عرب مؤثرون، ولا سيما مصر؟ وهل يثبت الاتفاق قدرته على الردع من دون أن يتحول إلى آلية لاستقطاب المنطقة إلى محورين متصارعين؟ إذا نجح في الاختبارين الأول والثاني، فقد يمهّد الطريق أمام نظام إقليمي جديد خلال السنوات المقبلة.




















































