يبدو أن الخلاف الفلسطيني الداخلي في ​لبنان​ بلغ ذروته، بعدما انتقل من التباين في المواقف إلى احتكاك سياسي مفتوح حول شكل التمثيل الفلسطيني، ومرجعية القرار، وآليات إدارة الملفات الحساسة في المخيمات، وصولًا إلى الاستحقاقات المرتقبة للمجلس الوطني الفلسطيني والاتحادات النقابية.

وتأتي هذه التطورات بالتزامن مع تسلّم عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح" والممثل الخاص للرئيس الفلسطيني في لبنان، ​ياسر عباس​، مهامَه، وإعادة ترتيب البيت الفتحاوي، بالتوازي مع المضي في التحضيرات للاستحقاق الانتخابي للمجلس الوطني الفلسطيني والاتحادات النقابية في لبنان. وهو ما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من التجاذب السياسي في وقت تتداخل فيه الملفات الداخلية للمخيمات مع حسابات ​القوى الفلسطينية​.

وقد تجلّت هذه التوترات بخطوات عملية، إذ دعت حركة "حماس"، تحت مسمى "اللجنة الوطنية لانتخابات ​المجلس الوطني الفلسطيني​ في لبنان"، إلى مؤتمر صحفي اليوم الاثنين في نقابة الصحافة بعنوان "​الانتخابات الفلسطينية​ والقرار الوطني"، لعرض موقفها من الاستحقاق الانتخابي، وسط معلومات عن إطلاقها دعوةً لحركة "فتح" لشراكة وطنية وحوار جدي.

وترى مصادر فلسطينية عبر "النشرة" أن الخطوة الحمساوية تأتي اعتراضًا على ما تصفه بالتفرد في إدارة الانتخابات، ولا سيما اعتماد المجمع الانتخابي لاختيار أعضاء المجلس الوطني من دون انتخابات مباشرة. في المقابل، تتمسك "فتح" بإجراء الانتخابات في الموعد المحدّد في الأول من تشرين الثاني 2026، وفق النظام المعتمد (الشتات دوائر انتخابية كاملة الحقوق)، عبر اختيار 500 شخصية لانتخاب 18 عضوًا يمثلون الفصائل والاتحادات النقابية واللجان الشعبية والمؤسسات والشخصيات المستقلة.

وترفض "فتح" أي محاولة لإنشاء مرجعيات موازية، وتؤكد أن ​منظمة التحرير الفلسطينية​ هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وأن حق الفصائل في التشاور لا يمنح أي إطار الحق في تقديم نفسه مرجعيةً بديلة، مؤكدةً أن الشرعية تُكتسب من الشعب ومن المؤسسات والانتخابات، لا من اللجان التي تُشكّل نفسها بنفسها.

مرجعيتان وتنافس

وعلى الصعيد الأمني، اتخذ "اللقاء التشاوري الوطني الفلسطيني" في لبنان قرارًا بتشكيل "​اللجنة الوطنية والإسلامية للأمن المجتمعي​" في ​مخيم عين الحلوة​، واتخاذ الإجراءات الكفيلة بالحفاظ على سلامة أبناء شعبنا ومواجهة الآفات الاجتماعية التي تهدد الأمن والسلم المجتمعي داخل المخيمات.

واللقاء التشاوري يضم في عضويته فصائل ​تحالف القوى​ (ومنها حماس والجهاد الإسلامي والقيادة العامة والصاعقة)، والجبهة الشعبية، والتيار الإصلاحي الديمقراطي في ​حركة فتح​، والقوى الإسلامية، وأنصار الله، وشخصيات مستقلة، وقد تأسس منذ أشهر إثر قيام حركة فتح وفصائل منظمة التحرير بتسليم السلاح الثقيل من المخيمات من دون التشاور مع هذه الفصائل.

وفي المقابل، تؤكد "فتح" أن أمن المخيمات "خط أحمر"، وأن حمايته تكون بالتنسيق مع المرجعية الفلسطينية الرسمية والدولة اللبنانية وأجهزتها الشرعية، رافضةً إنشاء بنى أمنية موازية قد تكرّس الازدواجية. ويعكس تشكيل "اللجنة الوطنية والإسلامية للأمن المجتمعي" من قِبَل اللقاء التشاوري عمقَ الخلاف حول الجهة التي تملك حق المبادرة في الملفات الأمنية والاجتماعية داخل المخيمات.

ياسر العنوان

وتأخذ الأوساط الفلسطينية على عباس الابن تفرده بالقرار؛ إذ أعاد ترتيب البيت الفتحاوي من دون أن يبادر إلى ترتيب موازٍ يجمع مختلف الفصائل، على اعتبار أن الساحة اللبنانية ذات وضع خاص يستدعي تناسي الخلافات والتلاقي وعدم ربطها بتداعيات خلافات الداخل.

وترى قوى اللقاء التشاوري أن ملفات الانتخابات والسلاح والأمن لا يمكن إدارتها من طرف واحد، فيما تؤكد "فتح" أن عباس يمارس مهامه بتكليف رسمي من القيادة الفلسطينية وفي إطار علاقة مؤسسية مع الدولة اللبنانية، معتبرةً أن استهدافه شخصيًا هو استهداف للتمثيل الفلسطيني الرسمي.

الأونروا​ وحق العودة

ويبقى ملف "الأونروا" أحد أكثر الملفات حساسيةً، غير أنه يحظى بتوافق الطرفين على رفض تقليص خدماتها وإغلاق مدارسها وتراجع تقديماتها الصحية والإغاثية، وعلى ضرورة الحفاظ على بقائها. ويؤكد اللقاء التشاوري ضرورة صون الوكالة والحفاظ على وجودها واستمرار دورها في تقديم الخدمات الأساسية والمساعدات الإغاثية، إلى حين عودة النازحين إلى ديارهم التي هُجّروا منها قسرًا في فلسطين.

وتشدد "فتح" على أنها تخوض — ومنظمة التحرير — عبر دائرة شؤون اللاجئين والسفارة الفلسطينية، المعركة الميدانية والدبلوماسية والقانونية لتثبيت ولاية الوكالة وتمويلها. فالمواجهة مع الدول المانحة والمشروع السياسي الساعي لتصفيتها، لا مع الأشخاص أو البيانات؛ ومن يريد الجدّية فليأتِ إلى الطاولة، لا إلى المنابر.

وفيما تمضي "فتح" في تثبيت الأطر الرسمية والاستحقاقات الانتخابية وإعادة ترتيب بيتها الداخلي، تتحرك "حماس" وحلفاؤها وفصائل أخرى للدفع نحو شراكة أوسع في صنع القرار. ومع اقتراب الانتخابات، يبدو أن الخلاف لم يعد حول آلية انتخابية فحسب، بل حول شكل القرار الفلسطيني ومرجعيته في لبنان.