أكد وزير العمل محمد حيدر، أنه "لا يمكن أن نتحدث عن واقع العمل في لبنان بمعزل عن واقع لبنان نفسه"، مشيراً إلى أن "العدوان الإسرائيلي خلّف أضراراً كبيرة طالت الإنسان والاقتصاد والمؤسسات والبنى التحتية ومقومات الإنتاج، ومصانع ومؤسسات تضررت، ومستشفيات تعرضت للقصف، وحتى الإدارات الرسمية لم تكن بمنأى عن الاعتداءات".
كلام حيدر جاء في كلمة ألقاها في الدورة الثانية والخمسين لمؤتمر العمل العربي في الأردن، استهلها بالقول: "أقف أمامكم اليوم وفي القلب حزن كبير. وقبل أن أتحدث عن العمل والعمال والتحديات التي تواجه أسواق العمل العربية، أجد من واجبي أن أبدأ من الإنسان، لأن الإنسان وكرامته وحقه في العمل والحياة الكريمة هي جوهر رسالتنا جميعاً".
واستذكر "شهيدة وزارة العمل اللبنانية، زميلتنا هبة صباح، التي ارتقت شهيدة قبل أيام مع أطفالها ورضيعها وعدد من أفراد عائلتها وعائلة زوجها، إثر قصف إسرائيلي استهدف منزلها الآمن في منطقة خارج نطاق الاعتداءات العسكرية المباشر، وأدى إلى سقوط أكثر من عشرة شهداء من المدنيين"، وقال: "هبة لم تكن رقماً في مؤسسة، بل كانت زميلة تؤدي واجبها، وأماً لها عائلة وأحلام وحياة. وهي اليوم واحدة من اللبنانيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً للحرب والعدوان، فيما كان كل ما يسعون إليه هو العيش والعمل بكرامة".
ولفت إلى أن "عندما تُستهدف مؤسسة أو مصنع أو مستشفى، فإن الخسارة لا تُقاس بالحجر وحده. خلف كل مؤسسة عمال، وخلف كل وظيفة عائلة، وخلف كل مشروع دورة إنتاج وأجور وأرزاق"، مؤكداً أن "حماية الاقتصاد اللبناني هي في الوقت نفسه حماية للعامل ولصاحب العمل ولقدرة المجتمع على الصمود والاستمرار".
وتوجه حيدر إلى العرب قائلاً: "لبنان يحتاج اليوم إلى وقوفكم إلى جانبه، ليس بالتضامن فقط، بل بالمساندة التي تساعده على الحفاظ على مؤسساته وفرص العمل وقدرته على الإنتاج، وعلى الاستعداد لمرحلة التعافي وإعادة النهوض".
وأكد أن "مسؤولية وزارة العمل تزداد في هذه الظروف"، مشدداً على أن "العامل وصاحب العمل ليسا خصمين، بل شريكان في عملية إنتاج واحدة"، وأن مهمة الوزارة هي "أن نحمي حقوق العامل وكرامته وأمنه الاجتماعي، وأن نساعد في الوقت نفسه أصحاب العمل والمؤسسات على الاستمرار والنمو والحفاظ على فرص العمل".
وأشار إلى أن الوزارة تعمل على "تعزيز الحوار الاجتماعي بين الدولة والعمال وأصحاب العمل، للوصول إلى توازن يحمي الحقوق ويشجع الاستثمار والإنتاج وخلق فرص العمل".
وقال: "رغم الظروف الصعبة، لم نتخذ من الأزمة ذريعة لتعليق الإصلاح"، مشيراً إلى أنه "بعد أكثر من عشرين عاماً، تمكنا من تعيين مجلس إدارة جديد للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، في خطوة أساسية لإعادة تفعيل هذه المؤسسة وتعزيز دورها في الحماية الاجتماعية"، لافتاً إلى أن الضمان "بدأ يستعيد تدريجياً قدرته على تقديم خدماته، وتحسنت الاستفادة من عدد من تقديماته بصورة ملحوظة".
وأوضح حيدر أن الهدف "ليس فقط العودة إلى ما قبل الأزمة، بل بناء منظومة حماية اجتماعية أكثر فاعلية واستدامة وشفافية، لأن الأمن الاجتماعي للعامل هو جزء أساسي من الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي للدولة".
وأشار إلى أن وزارة العمل "وضعت خطة لتنظيم العمالة الأجنبية غير النظامية، انطلاقاً من مبدأ واضح: تنظيم سوق العمل ليس موجهاً ضد العامل الأجنبي، بل هو تطبيق للقانون وحماية لحقوق الجميع"، لافتاً إلى "إقبال كبير من العمال وأصحاب العمل على تسوية أوضاعهم".
وفي ما يتعلق بسوق العمل، قال الوزير حيدر: "العالم يتغير بسرعة، الذكاء الاصطناعي، والتحول الرقمي، والعمل عن بُعد، وأنماط العمل الجديدة، كلها تعيد رسم طبيعة الوظائف والمهارات التي تحتاج إليها اقتصاداتنا"، مشيراً إلى أن الوزارة تعمل على "تحديث التشريعات وتطوير قانون العمل بما يواكب هذه التحولات، وإدخال مفاهيم حديثة، ومنها العمل المرن".
كما أشار إلى العمل على "تحديث وزارة العمل نفسها، من خلال تطوير الخدمات، وتعزيز الحوكمة والشفافية، وتحديث قواعد البيانات وتسريع التحول الرقمي، بما يجعل الوزارة أكثر قرباً من العامل وأكثر استجابة لصاحب العمل".
وتوقف عند "الدور المهم لمنظمة العمل العربية"، متوجهاً بالشكر إلى المدير العام للمنظمة فايز علي المطيري، على "اهتمامه الدائم بلبنان وعلى الدعم والتعاون الذي لمسناه منه تجاه وزارة العمل اللبنانية"، وقال: "نحن لا نتطلع فقط إلى استمرار هذا التعاون، بل إلى تطويره إلى شراكة أوسع وأكثر عملية".
وأوضح أن لبنان "يحتاج إلى خبرات منظمة العمل العربية ودعمها الفني في تحديث التشريعات، وتطوير سياسات سوق العمل، وبناء قدرات الوزارة، وتعزيز التحول الرقمي، وتطوير منظومة الحماية الاجتماعية، والاستفادة من التجارب العربية الناجحة"، إضافة إلى التعاون "في تطوير مهارات القوى العاملة، ولا سيما الشباب، وتأهيلهم لوظائف المستقبل".
وقال للمطيري: "نقدّر ما قدمتموه للبنان، ونتطلع إلى أن تكون منظمة العمل العربية شريكاً أساسياً لنا في مسيرة تحديث وزارة العمل وتطوير سوق العمل اللبناني".
وقال الوزير حيدر: "رؤيتنا واضحة: نريد الانتقال من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي والتطور. نريد وزارة حديثة تحمي العامل، وتساند صاحب العمل، وتشجع المؤسسات على الاستمرار والاستثمار وخلق فرص العمل. نريد سوق عمل منظماً وعادلاً، يحمي الحقوق من دون أن يعيق المبادرة، ويشجع الاستثمار من دون أن يكون ذلك على حساب كرامة الإنسان".
وأكد أن "لبنان اليوم يحتاج إلى أشقائه، لكنه في الوقت نفسه مصمم على النهوض"، وقال: "من القاهرة، ومن مؤتمر العمل العربي، نحمل صوت عمال لبنان وأصحاب العمل ومؤسساته الإنتاجية، ونؤكد أننا، رغم الألم والصعوبات، متمسكون بالعمل والإنتاج والحماية الاجتماعية والشراكة".
وختم: "وسنبقى نعمل من أجل دولة تحمي العامل، وتساند صاحب العمل، وتشجع الإنتاج، وتفتح أمام شبابها أبواب المستقبل، لأن العمل ليس مجرد وسيلة للعيش، بل كرامة للإنسان، واستقرار للمجتمع، وأساس لنهوض الأوطان".