يصل مشروع موازنة 2027 في موعده الدستوري، في خطوة يمكن تسجيلها إيجابًا للحكومة بعد سنوات اختل فيها الانتظام المالي. لكن احترام المهل لا يكفي وحده للحكم على موازنة بلد يواجه مجموعة استثنائية من الأزمات دفعة واحدة. فلبنان يدخل سنة مالية جديدة فيما اقتصاده لا يزال تحت ضغط الحرب مع إسرائيل، والقطاع المصرفي منهار، والدولة متعثرة منذ العام 2020، فيما يواصل اقتصاد "الكاش" توسعه ويقبع لبنان على اللائحة الرمادية.
وبين ارتفاع الإيرادات الضريبيّة، واعتماد كبير على الرسوم المفروضة على السلع والخدمات، وكلفة الرواتب والأجور، تطرح موازنة 2027 سؤالًا يتجاوز الأرقام الواردة في جداولها: هل نحن أمام موازنة قادرة على معالجة الاختلالات البنيوية في ماليّة الدولة، أم أمام محاولة جديدة لإدارة الأزمة وتأمين الإيرادات من دون الدخول في الإصلاحات الأكثر صعوبة؟
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي البروفسور جاسم عجاقة أن "الجيد بمشروع الموازنة يأتي ضمن المهل الدستورية"، مشيرًا إلى أنه في مراحل سابقة لم تكن هناك موازنات، وكان يتم الاعتماد على الصرف وفق القاعدة الاثني عشرية.
لكن هذا الانتظام يأتي، بحسب عجاقة، في ظروف اقتصادية ومالية شديدة التعقيد، إذ يشير إلى أن "الموازنة تأتي في ظرف الحرب الاسرائيلية على لبنان، وموضوع على اللائحة الرمادية، ومتعثر منذ العام 2020. والقطاع المصرفي منهار، ولا تستطيع السياسة النقدية أن تواكب الموازنة. البلد يعمل ضمن اقتصاد الكاش، وهذه عوامل كلها تلعب ضد الحكومة التي أمامها تحديات كبيرة لمواجهتها".
أملاك بحرية ونهرية وإيرادات ضائعة...
في مقابل هذه الظروف، يعتبر عجاقة أن الحكومة كانت تملك هامشًا أكبر لتحسين الإيرادات ومعالجة مكامن الهدر، مؤكدًا أنه "كان لديها الكثير لتحسينه، مثل جني الرسوم على الأملاك البحرية والنهرية.
وفي هذا الإطار، تشير مصادر مطلعة إلى أن نحو 30 مليون متر مربع من الأملاك البحرية والنهرية مصادرة أو مشغولة، فيما تسعى الدولة إلى جني نحو 17 مليون دولار منها.
وتجري المصادر احتسابًا بسيطًا لتبيان الفارق، موضحة أنه "إذا كان سعر المتر 10 دولارات على 30 مليون متر مربع، نصل إلى نحو 300 مليون دولار، بينما الدولة تجبي 17 مليون دولار.
وبالتالي، تفتح هذه الأرقام الباب أمام سؤال أساسي حول قدرة الدولة على تحسين إيراداتها من الأملاك والحقوق العامة، قبل الاتجاه إلى زيادة العبء الضريبي على الاستهلاك والمواطنين.
التهرب الضريبي واقتصاد "الكاش"
ولا تتوقف التحديات عند هذا الحد، إذ يعود عجاقة ليشير إلى ملفات "التهرب الضريبي، واقتصاد الكاش، وإعادة هيكلة القطاع العام"، لافتًا في الوقت نفسه إلى أن "دين الدولة ليس معالجًا، وكذلك دين الكهرباء للحكومة العراقية أيضًا".
ويعرب عجاقة عن اعتقاده أن "النوايا حسنة، ولكن الموازنة بعيدة عن مواجهة التحديات في لبنان".
وهنا تكمن إحدى أبرز الإشكاليات: فالموازنة قد تنجح في تنظيم الإيرادات والنفقات للسنة المقبلة، لكنها تبقى أمام ملفّات متراكمة تتجاوز سنة ماليّة واحدة، من الدين والتزامات الدولة إلى القطاع العام والتهرب الضريبي والاقتصاد النقدي.
رسوم على السلع والخدمات!
ومن أبرز الأرقام اللافتة في مشروع موازنة 2027 أن الرسوم على السلع والخدمات تصل إلى 73.5% من الإيرادات الضريبيّة، ما يعني أن الجزء الأكبر من الضرائب التي تعتمد عليها الدولة مرتبط بالاستهلاك.
وفي هذا السياق، تشرح مصادر مطلعة أن "الإيرادات الضريبية وصلت في موازنة 2026 إلى 439.6 تريليون ليرة، بينما بلغت في موازنة 2027 نحو 528.2 تريليون ليرة، أي بزيادة تقارب 20%.
لكن ارتفاع الإيرادات لا يلغي السؤال عن مصدرها وطريقة توزيع العبء الضريبي، خصوصًا عندما تكون الرسوم على السلع والخدمات في صدارة الموارد الضريبية للدولة.
ويعلق عجاقة على ذلك بالقول إن "الرسوم على السلع والخدمات كبيرة جدًا، وليس من الجيد أن تكون الدولة متعلقة بهذا الشق".
الرواتب والأجور... أكثر من نصف الموازنة
في المقابل، تشير المصادر إلى أن الرواتب والأجور تبلغ نحو 53.5%، معتبرة أن هذا الرقم يعيد طرح ضرورة إعادة هيكلة القطاع العام.
ويشرح عجاقة أن "هناك فارقًا بين رقم الرواتب وبين الذي يأخذه الفرد الواحد من الدولة، لأن رقم الرواتب كبير بسبب كثرة العاملين في القطاع العام".
وبذلك، لا تعكس ضخامة بند الرواتب بالضرورة ارتفاعًا في مداخيل موظفي القطاع المذكور، بقدر ما تعكس أيضًا حجم الجهاز الإداري وعدد العاملين فيه، ما يعيد ملف إعادة الهيكلة إلى صدارة الإصلاحات التي تحتاج إليها المالية العامة.
موازنة لضبط الأرقام أم لمواجهة الأزمة؟
في المحصّلة، تحمل موازنة 2027 نقطة إيجابيّة أساسية تتمثل في عودة الانتظام إلى المسار الدستوري لإعدادها، لكن الامتحان الحقيقي لا يتوقف عند موعد تقديمها.
فلبنان يحتاج إلى أكثر من موازنة توازن بين الإيرادات والنفقات على الورق. التحدي يكمن في توسيع قاعدة الإيرادات من دون تحميل الاستهلاك العبء الأكبر، ومكافحة التهرب الضريبي، وتحسين جباية حقوق الدولة، ومعالجة اقتصاد "الكاش"، وإعادة هيكلة القطاع العام، إلى جانب مواجهة ملفات الدين والقطاع المصرفي والالتزامات المتراكمة.
وبين زيادة الإيرادات الضريبية بنحو 20%، وبلوغ الرسوم على السلع والخدمات 73.5% من الإيرادات الضريبية، ووصول الرواتب والأجور إلى 53.5%، تبدو الأرقام كبيرة، لكن السؤال الأعظم يبقى في ما إذا كانت موازنة 2027 ستتحول من أداة لتمويل الدولة إلى أداة لإصلاحها.
ويختصر عجاقة المشهد: "النوايا حسنة، ولكن الموازنة بعيدة عن مواجهة التحديات في لبنان".