لا يمكن فصل انعكاسات الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط حاليًا عن العالم، إذ إنّ الارتدادات السلبية كبيرة جدًا، وتؤثّر على معيشة مختلف الشعوب، حتى في الدول المُصنّفة مُقتدرة ماليًا. من هنا، فإنّ كل تغيير في الواقع الميداني بات يستوجب تحرّكات إقليميّة ودَوليّة. وهذا تمامًا ما حصل بعد التقدّم الميداني الذي حقّقته جماعة "أنصار الله" في اليمن، حيث تحرّكت السُعودية بقوّة على المستوى الإقليمي، ودخلت الإدارة الأميركية على الخطّ، وبلغت الأمور حد عقد جلسة طارئة لمجلس الأمن الدَولي. ماذا في التفاصيل؟
على الرغم من النفي الإيراني المُتكرّر لأي تدخّل في اليمن، يُجمع الكثير من المُحلّلين على أن "الحرس الثوري الإيراني" يُموّل ويُسلّح ويُدرّب جماعة "أنصار الله"، وأنّ عودة الحرب إلى اليمن بعد سنوات طويلة من الهُدوء جاءت بتوجيه إيراني مُباشر، من أجل تهديد حركة الملاحة في "باب المندب"، الأمر الذي من شأنه رفع مستوى الضغط الاقتصادي الذي تُمارسه القيادة الإيرانية عبر عرقلة الملاحة في "مضيق هرمز". ويأتي هذا التهديد المتفاقم لأمن الطاقة العالمي، في الوقت الذي اضطرّت فيه المملكة العربية السعودية إلى إغلاق خط أنابيب "شرق – غرب" (معروف باسم "بترولاين" وتملكه وتُشغّله شركة "أرامكو" السعودية)، بسبب هجمات بطائرات مسيّرة انطلقت من داخل العراق.يُذكر أنّ هذا الخطّ الذي يمتدّ إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر ويُغذي المصافي السعودية الساحلية، يُعدّ عنصرًا حيويًا في تحويل مسار ملايين البراميل من النفط الخام السعودي بعيدًا عن الخليج منذ اندلاع الحرب بين الولايات المتحدة وإيران. وصارت السعودية على شفا التورّط من جديد في حرب اليمن في حال استمرّت الاستهدافات لأعيانها الاقتصادية الحيويّة. وفي ظلّ المخاطر الأمنية الجسيمة التي تُهدّد السفن التي تعبر ممرّات مضيق هرمز، ووُصول التهديدات إلى خطوط "باب المندب" البحريّة، وتعثّر جزء من عمليات التصدير من السعودية ودول الخليج عمومًا إلى العالم، حلّقت أسعار المُشتقّات النفطية، الأمر الذي فاقم أزمة الغلاء المُستشري. وباتت المسألة تتجاوز عمليّة "شد الحبال" بين واشنطن وطهران للوُصول إلى تسوية ما، وتستوجب تدخّلًا عالميًا لمنع تدهور الأمور أكثر.
لكن اللافت أنّ الجيش الأميركي رفض شنّ غارات على جماعة "أنصار الله" على الرغم من التقدّم الميداني الكبير الذي حقّقوه في هجماتهم الأخيرة في الساحل الغربي لليمن، وتحديدًا في مدينة المخا ومينائها، وفي جزيرة مَيُون في قلب مضيق "باب المندب"، وجزيرتي جنيش الكبرى والصغرى، وفي خط ساحلي يمتد من جنوب محافظة الحديدة وصولًا إلى أطراف شبه الجزيرة العربية. وقد تواصلت القيادة الأميركيّة بشكل غير مباشر مع القيادة "الحوثيّة"، لتأكيد النأي بالنفس عن المعارك داخل اليمن، وعدم شنّ أي غارات على مواقعهم أو قوّاتهم، مع التشديد في الوقت نفسه على أنّ هذا التحييد يسقط بمُجرّد قيام "أنصار الله" باستهداف حركة الملاحة في البحر الأحمر. وبالتالي، إنّ استثناء واشنطن "الحوثيّين" من أي ضربات أو غارات في المرحلة الحالية، لن يستمرّ في حال قيامهم بمُحاولة قطع الممرّات البحرية في "باب المندب" لمُساندة محاولات إيران القائمة في هذا الصدد في "مضيق هرمز".
وعلى خطّ مواز، صحيح أنّ اللقاء الذي جمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في القاهرة الثلاثاء، عُقد تحت عنوان تعزيز أوجه العلاقات الثنائية بين مصر والسعودية في مختلف المجالات، فضلًا عن تبادل الرؤى بشأن التطورات الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك، فإنّ الغاية منه دراسة سُبل تدخّل مصر لحماية مصالحها الخاصة بالدرجة الأولى، ومصالح دول الخليج والسعودية بالدرجة الثانية، في ظلّ التطوّرات الميدانية في اليمن. يُذكر أنّ البحر الأحمر يُمثّل شريانًا إستراتيجيًا واقتصاديًا بالغ الأهمية بالنسبة إلى مصر، نظرًا لدوره المحوري في التجارة العالمية، والأمن القومي، والطاقة، والسياحة، إلخ. وفي هذا السياق، فالترابط بين البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس يجعله الممر الأسرع والأهم لحركة التجارة العالمية بين قارتي آسيا وأوروبا. وهو يُدرّ عائدًا ماليًا ضخمًا للخزينة المصريّة من خلال رسوم عبور السفن وناقلات البترول. وبالتالي، لا يمكن أن تقف مصر مكتوفة الأيدي في حال قيام "الحوثيّين" بضرب السفن التي تعبر "باب المندب"، وستكون عندها مُضطرة للدخول في الصراع الأوسع نطاقًا، بشكل أو بآخر. وعلى الرغم من عدم امتلاك مصر حدودًا مُشتركة مع اليمن، فإن خياراتها تبقى مفتوحة لدعم السعودية في حال قرّرت هذه الأخيرة الانخراط من جديد بشكل مباشر في الحرب اليمنيّة.
وفي التطوّرات اللافتة خلال الساعات الماضية، عقد مجلس الأمن الدولي جلسة طارئة تناولت التطورات العسكرية المتسارعة في اليمن ومضيق باب المندب، في ظل تصاعد المخاطر المحيطة بسلامة حركة الملاحة الدولية وإمدادات الطاقة. وصحيح أنّ اجتماعات الأمم المتحدة وقراراتها، تفتقر إلى القُوّة التنفيذيّة، لكنّ الأصحّ أن النقاشات أضاءت على خطورة المُضيّ قدمًا في اعتماد سياسات لا تحمل أي أهمية عسكرية بل تُمثّل تهديدًا لأمن الطاقة العالمي، بشكل ينعكس سلبًا على الشعوب وليس على الحُكّام.
في الخلاصة، تُوجد محاولات عدّة حاليًا لإيجاد مخرج ظرفي، يقضي بالسماح بتمرير ناقلات المشتقات النفطية دون مخاطر من أجل خفض الأسعار العالمية، في مقابل تخفيف الحصار عن إيران مرحليًا أيضًا. وتدرس طهران الاقتراح الذي قد يساعدها على الصمود وإعادة ترتيب وضعها، لكنّه في المقابل يُعطي إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب جرعة دعم قد تساعده في الفوز في الانتخابات النصفيّة المرتقبة في الثالث من تشرين الثاني المقبل، وهو ما لا تريده إيران على الإطلاق. لكن البديل عن تسهيل مرور سفن الطاقة، هو اشتداد الحصار المتبادل، واضطرار كل من السعودية واليمن بشقّيه وربما مصر للدخول بشكل مباشر في الصراع المفتوح بين واشنطن وطهران.